يظنّ الناس أن النرجسية فعل بُغْضٍ، فيقولون اجتنبوا هذه البئر، إنها أغرقت «نرجس»، بينما ليس كلُّ نرجسي أنانياً، ولا كلُّ أناني نرجسياً، لأن الإنسان الذي يخرج من الأنانية، ويذهب بعيداً نحو التلاشي، ويعتقد أن هذا جزء مهم من إنكار الذات، وتلك معضلة العقل عندما يتهوّر ويخور، ويقع في المحرمات الفكرية، ويضيع في متاهات صحراء لا حدود لتضاريسها.
النرجسية عندما تغتسل بماء المكرمات، فإنما هي ذاتُ محبٍّ للحياة، عاشقة للآخر، منتمية إلى السماء والأرض من دون انعطاف خارج الرصيف، ومن انحراف على ظهر موجة عارمة، ومن دون اصطفاف يفرغ الوعاء النفسي من محتواه، ومن دون جفاف ولا رعاف، بل هي الذاتية المشبّعة بفسيفساء الجمال الداخلي، المفعمة بأحلام الوردة، وتطلعات الفراشة، وطموحات الإنسانية المتصالحة مع نفسها، المنسجمة مع ذاتها، هي النجمة التي تفيض حُباً، ثرية بالمعاني.
ولا يمكن لإنسان غير ذاتي أن يفيد الذوات الأخرى، ولا يمكن لإنسان غير متعلق بذاته أن يكون محافظاً على الودّ مع الآخر، المسألة ليست رياضيات، وإنما هي فيزياء كونية، تأخذ من اندماج الذرات، عالماً يشكِّل خليته الإنسانية بصورة وافية ومن غير شطط، ولا غلط، ولا لغط.
إنسانية تسير على لسان الطير تغريدةً صباحية، إنسانية تجري على سطح القمر، كما هو الضوء الشمسي عندما يلامس ذلك الزماني المستدير، ولا مناص من الحب، حتى تكتمل قصيدة القمر، وحتى تكمل الشمس دورتها حول رموش، كحلها من مرود الأحلام الزاهية، وبريقها سهام الورطات اللذيذة.
نقول: فلان نرجسي، ونتمسك بالمفهوم، وهكذا تمضي بعض المفاهيم، مثل سكين يقطع دابر الحقائق، ويشوّه، ويسوّف، ويستخف ويعمل على حفر القبور للمعاني، ودفن كل ما هو جميل، وناصع، لتبقى الحياة قبراً ضخماً، الجثة فيه، معنى ليس له صاحب، ولا تاريخ، وإنما مكانه مكنون في عقول ضيّعت المعنى كما يضيع الأعمى طريقه!
سمعت ذات ليلة ليلاء، امرأة تصيح في وجه زوجها، ناعتة إياه بالنرجسي، فيرد الرجل بسخرية، قائلاً: وما هو النرجسي؟ أهو مشروب بمذاق القرفة، أم طعام له رائحة الهيل؟ قولي لي، نعم أنا نرجسي، وأعشق الإنسان النرجسي، لأنه إنسان حي ينبض قلبه بالجمال، أما أنتِ، فقد أصبحت في عداد الأموات، عندما حسبت أنك بما تقومين به، من دفن نفسك في حفرة سوداء، اسمها اللانرجسية، فذهبت في العميق، ذُبتِ وانتهيت، فلا جدوى من وجودك. صحّحي المفهوم، وسوف ترين نفسك مثل وردة بريّة تفيض بالرونق وحمال الهيئة.

