- من شرفة العمر تبدو الأمور جليّة، وأقرب للحكمة، وأبعد عن ضجيج الوقت، وتكالب الناس، من علٍ يستطيع المرؤ أن يجلي الأشياء ويتجلى، فلا بخس للنفس ولا رهق، ولا يسمح لمن يبغي أن يطول ويتطاول أو لمن يريد طغياناً وبغياً.
- من شرفة بوذا الجبلية وأسئلته الوجودية الأولى نحو الإنسان والحياة والكينونة والموت والمرض والسعادة والزمن، يكفي الإنسان الصمت، والأمل والتأمل، ويكفيه أنه عرف درب المعرفة، ومعاني الصوم ودفء الصلاة، ومعنى أن الإنسان يمكنه أن يتجوهر.
- من حكمة صمت الفلاسفة وأصواتهم الخارجة من القلب إلى العقل، من ضجيج أسئلة المبدع الذاهب بعيداً وعميقاً في الحياة والأشياء، ومن تعب النفس وصبرها ونشدانها الحق والخير والجمال.
من تلك الصوفية الدافئة ووهج الحروف وأنوار المعرفة، من كل تلك الأشياء يمكن للإنسان أن يكون مختلفاً وأقرب إلى الله، وأبعد عن الظلم.
- من علو النبل، وأخلاق الفرسان، يكفي الإنسان أن يرى كيف هم يحنون الأعناق لالتقاط وردة أو طرح قبلة على رأس طفلة أو كيف يثنون ركبة لتصعد امرأة على ظهر مهرة أو كيف يفوون بالوعد والعهد، ولكنهم لا يتجندلون إلا وقوفاً على الأرض كأشجار بلادهم التي يعرفونها أو سجوداً على تربتها ليقبّلوها في وداعهم الأخير.
- من طُهر النفس الساعية دوماً للخير، ومسك الطيبة، والبُعد عن الأذى، السخيّة على الدمعة السخين، والمرسلة أريج ابتسامتها لتسبقها، على الإنسان العَجل إن صادفها أن يتوقف برهة، ويتفكر دهراً؛ لأن بعض الأشياء لا تصادفها أو تعترض طريقك أيها الإنسان دوماً، اقبض عليها لتنجو.
- من تلك الشرفة التي يطلّ منها القلب، تنبعث ذرات سابحة وأشعة هادية، اتبعها ولا تخف، أدركها ولا تتوجس، فالقلب عادة هو الدليل، وهو حامل طاقات الرحمة، وهو نبراس السير والسبيل، في المتاهات العظمى لا يبقى للإنسان غير القلب، وحده الذي يمكن الوثوق به في تجاوز تلك الفلوات المهلكات.


