جلس صديقاي ذات مساء في بهو حديقتي، وبدأا يتحادثان. وكانت الأحاديث بينهما تدور ولا تنقطع إلا لتتوالد؛ انقطاعاً كشأن الليالي التي مرت في شأنها إذ تجيء، وتنصهر وتتبلور كجزيئات الألماس، حاملةً تشوقاً للمعرفة وهجس الإدراك. الأحاديث ترسم غاياتها ومحيطاتها؛ فلا غاية للحديث إلا ذاته حين تكون الذات لغة التواصل والتواشج والحضور، لغة القلوب وهي تنبض بودها.
الأحاديث لغة العقل في بحثه وتقصيه واكتنازه وتشوقه، الحديث يأخذ بأطراف الحديث كي يصل إلى المعرفة وطرقات السؤال.
قال الأول: «المعرفة لا غاية لها سوى المعرفة، لكن المعرفة مطلب صعب؛ فالمعرفة عند ابن عربي: (كل علم لا يحصل إلا عن عمل وتقوى وسلوك)، أما العلم بالشيء، أو ما نسميه بلغة اليوم (معلومات)، فإنه نقيض الجهل بذلك الشيء فقط. وهذه المعلومات لا تؤدي إلى ارتقاء الحواس والمدركات، كما تشهد الوقائع اليومية لحياتنا. والقراءة إحدى أهم طرائق المعرفة، أو أجزائها اليسيرة، وليست المعرفة».
قال الآخر: «لا أرى فرقاً بين العلم والمعرفة، أن أعلم يعني أن أعرف، وأن أتعلم علماً يكسِبني معرفة به».
قال الأول: «أي إنك قمت بعمل وسلوك إيماناً بما تطلبه وتتعلمه وفق منظور ابن عربي، لكن ما تتعلمه قد يبقى عابراً إذا لم يرتقِ بحواسك ومداركك، ولم يمتزج بمزاجك وطموحك. بينما المعرفة أن تذهب عميقاً في العلم، وتبحث في عمقه وجوهره؛ أن تحيله إلى معرفة تحيلك إلى إدراك أعمق بذاتك وبما حولك، وكيانك والوجود».
قال الآخر: «وما غاية أن أدرك، وأن ترتقي حواسي بأكثر مما منحته لي الطبيعة ووجهت وظائفها؟ فأنا كأي كائن إنساني أرى وأسمع وأشم وأتذوق وألمس، فكيف تصير هذه الحواس أرقى بالقراءة والمعرفة؟».
قال الأول: «هذا تشريح فسيولوجي، فليس بصفتك إنساناً تملك كل هذه الحواس، فبعض الكائنات لها حواس سادسة أكثر رهافة وحساسية. ولكنك لا تدرك غاية هذا التمايز إلا بالمعرفة التي تؤدي بك إلى الإدراك العميق، الذي يرتقي بك من مرتبة كائنات الطبيعة إلى مرتبة تعلو عليها، وتصير حواسك أكثر من خمسٍ. فنحن البشر، حين اكتسبنا بالمعرفة حواس العلم والفن والإبداع، صرنا نملك أكثر من الحواس التي ولدنا بها. لكن الحصول على المعرفة اشترط له ابن عربي في زمانه: أن نتعلم معرفة علم الحقائق، وعلم الإنسان لنفسه، وعلم الخيال، وعالم الأدوية والعلل. فكم علماً علينا أن نتعلم كي نحصل على المعرفة؟».


