تلك القامة المستدامة في تلافيف القصيدة، المعفاة من الزيف، المانعة للنسيان، يأتي اليوم محّملاً بهمِّ القصيدة، وانبعاث الروح الوطنية، كأنه الوعد في ضمير حبيب الإنسان، حبيب الشاعر المتفرد في الصوت الشعري الذي مدّ للمدى قافية النثر ووزن السرد الشعري، واليوم وهو يحضر بقوة الأثر، ولا غياب لمن ينقشون على وجدان القصيدة حلم طفولة لها شدو الطير، وتغريدة لسان حال مَن وضعوا الشعر على رأس قائمة الهم، وعند سارية علم رفرف باسم عشاق الحياة، باسم من عكفوا على الرسالة البلاغية بصورة رسمت اللون، كما نحتت الشكل، كما رسّخت القصيدة كحلم ووعي في نسيج الكون، في أحلام الطفولة، وبين رموش، وعند مكان في الصدر، شمالاً جهة القلب.
حبيب الصايغ الشاعر لم يكن عابر سبيل في ضمير القصيدة، بل كان حبةَ الرمل التي رسمت في الصحراء صورة شجرة عملاقة اسمها القصيدة، ثمراتها من بلاغة المُعطَى، ونبوغ شاعر عرفة الوطن والعالم أنه الكبير في معطاه، الراسخ في منجزه، والواسع في بنيته الشعرية، المنهمك في بناء الجسور، وبين تيارات الفكرة، وأحلام مستقبل يزهر بالذين انتموا إلى قارة الشعر، والذين أدمنوا المساحة الوسيعة، في سماوات نجومها بحور الكلمة الطيّبة، وفرعها، وجذرها، وكل ما قدّمه حبيب الصايغ ليس شعراً، وإنما هو لحنٌ على قيثارة الوجود، ولهذا عندما يحضر حبيب تكون مضارب الشعر في جولة بحث عن الذات، ودورة دموية في جسد القصيدة، لا توقفها هنّة، ولا يعجزها وَهَن، لأن الشعر عند حبيب هو الماء والهواء، هو كل ذلك، وهو الحلم الزاهي في عيني حبيبته القصيدة، واليوم نستدعي صورة حبيب وقصيدته التي تملأ الوطن صفحات من وعي في أهمية الشعر، عندما يكون الشعر ديوانَ تجلٍّ، وبحرَ موجةٍ، بيضاء من غير سوء، وجناح طير، يزفّ لنا طائلة من الصور الشعرية التي تركها حبيب، لنا، ولمن سيأتون يقلّبون صفحات التاريخ، ويجدون حبيباً ملء فم الوطن، وعلى كل شفاه، يرتّب قصيدته بعناية، ودراية، ورعاية، ومباركة، من تجربة شعرية لها لونها الخاص، وذائقتها الفريدة، وبحرُها المتميز، ووزنها الخارج عن الرتابة والتقليد.
حبيب يطلُّ علينا في كل مناسبة متأبطاً همّه الشعري، متجلياً كأنه السحابة تسير على صهوة فطرتها، منتمية إلى زمن لا يقبل أنصاف القصائد، ولا أشباه البوح، إنه بوح حبيب لا يشبهه إلا هو، وهو في قلب القصيدة شريان يعزف لحن الخلود، ويمضي في القصيدة نحو غايات كأنها السماء الصافية، تقرأ نجومها، تتهجّى معجماً مدّ للقصيدة مداداً، ومدى، وامتداداً طال عنان السماء، وكان في الوعي جديداً يتجدد بجديد حبيب المتألق، وحبيب الأنيق في قصيدته، والرشيق في بوحه.
نحن لا نتذكر حبيباً، وإنما نستدعيه ساعة تضيق بنا القصيدة، ولحظة ينأى عنا بريقها، فنشعر بالضوء يتسلل في أعماقنا مثل الحلم، مثل القصيدة.


