اللؤلؤ في ذاكرة الإمارات ليس مجرد جوهرة تُستخرج من أعماق البحر، ولا العود والعنبر مجرد نفائس تتناقلها الأسواق، إنها حكاية وطن، تختصر في بريقها ورائحتها سيرة مجتمع عرف البحر طريقاً إلى العالم، وعرف من موارده المحدودة أسباباً للصبر والعمل والبناء.
وأجمل ما في معرض «إماراتُ الدُّرِ والطيب: إرثٌ متأصلٌ ومستقبلٌ متجدّد»، الذي افتتحه سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، في قصر الوطن، أنه لا يتعامل مع التراث كصندوق مغلق نفتحُه حينما نريد منه استعادة بعض الصور والذكريات، وإنما يقدمه باعتباره حياً، قادراً على محاورة الحاضر ويطل على المستقبل.
اللؤلؤة التي كانت ذات يوم مصدر رزق، وراءها حكاية أكبر من قيمتها المادية. وراءها غواص، ونوخذة، وصانع سفينة، وتاجر، وحرفي، وأسرة تنتظر عودة الغائب من البحر. وكانت وراءها أيضاً شبكة من العلاقات التجارية والثقافية جعلت من سواحل الإمارات محطة على طرق تصل الشرق بالغرب.
وهنا تكمن أهمية أن نرى صناعة السفن والغوص والتجارة البحرية ضمن قصة واحدة، لأن النهضة لا تبدأ دائماً من وفرة الموارد، ولكن من قدرة الإنسان على تحويل ما تمنحه البيئة إلى حياة وفرص ومستقبل.
واللافت أيضاً أن المعرض يخاطب أكثر من جيل في وقت واحد، فهو يمنح الكبير فرصة لاستعادة ذاكرة يعرف تفاصيلها، ويمنح الشاب والطفل فرصة لاكتشاف أن كثيراً مما يراه اليوم من ازدهار واستقرار لم يأتِ من فراغ. وحين يرى الزائر أدوات الغوص، وأسماء السفن، ومفردات البحر، وأهازيج الغواصين، ثم ينتقل إلى الأعمال المعاصرة ووسائط العرض الحديثة، فإنه لا ينتقل بين زمنين منفصلين، بل يرى خيطاً واحداً يصل الإنسان الإماراتي القديم بالإنسان الإماراتي الذي يقود اليوم مشاريع المستقبل. وهذه ربما واحدة من أهم وظائف التراث: أن يجعل الأجيال الجديدة تعرف أن المستقبل الذي تصنعه اليوم له جذور عميقة في تجربة آبائها وأجدادها.
المفارقة الجميلة أن اللؤلؤة، التي كانت يوماً عنواناً لاقتصاد الإمارات، أصبحت اليوم جسراً رمزياً إلى مرحلة جديدة، فقد استُلهم منها اسم «جيون» لمنظومة وطنية للمدفوعات، فيما تمضي الدولة في مسارات الذكاء الاصطناعي والابتكار والاستدامة.
لقد خرج الآباء من البحر باللؤلؤ، وخرج الأبناء من تلك التجربة بإرث من الصبر والطموح والعمل. واليوم، لا يزال الشراع مرفوعاً، وإن تغيّر البحر.
فالتراث الذي لا يقود إلى المستقبل يتحوّل إلى ذكرى، أما في الإمارات، فكلما عدنا إلى الجذور، وجدنا فيها ما يكفي لنواصل الإبحار.


