كثيرٌ من معالم مدينة أبوظبي حاضرةٌ في ذاكرة الحياة، لم يأخذها الزمن بعيدًا، ولم يطوِها النسيان، ولم يجردها من صورها القديمة التي لا تزال عالقةً في الذاكرة، كتلك البناية الصغيرة على واجهة البحر التي سُمِّيت بـ «السمكة الذهبية»؛ كونها تحمل عنوانًا لمطعمٍ شهيرٍ آنذاك، وقد قطنها وجهاءُ من المدينة.
وفي زاوية منها، شُيِّدت بنايات دائرية جميلة، وأخرى مؤثرة في عالم البترول والسفارات الأجنبية، وكان البناء ذا طابع مهم؛ بِما يحمله من معانٍ سامية كالتربية والتعليم، إلى جانب مكتبات اتخذت طابعها الثقافي المتألق على ضفاف امتداد بدايات الكورنيش.
كان أفقاً جميلاً يُبشّر بتطور المدينة وروعتها، مزداناً بمعالم جميلة، وتُحفٍ، وأيقونات نادرة مثل «نافورة البركان»، التي كان لها فضاء من السحر يتأرجح ما بين المعالم السياحية والتاريخية والزمن.
ويمثل مَعْلَمُ «برج الساعة» الزاهي، المبني على شكل أعمدة تحمل في رأسها ساعة جميلة، محاكاةً لسفن البحر الراحلة عند الغروب، مِمَّا يُضفي على الكورنيش رونق الوقت الزمني.
كانت نسمات البحر تتخلل جنبات البناء الشاهق وتصل بمداها إلى السوق القديم، لتواكب خطوات رواد السوق على عتبات الدكاكين؛ في حين تعكس المساجد وجوه الراحلين، وتتردد تلاوات «المطاوعة» على منابر ومآذن تصدح بالصلوات. هي رحلة في عالم الذاكرة ما بين السوق والكورنيش.
على جانب من مسجد صغير قريب من «برج الساعة»؛ حيث يُروى عن جمع من العارفين أن هناك يكمن بئر ماء عذب، فبرغم ملوحة البحر، يتدفق ذلك المعين الصافي بين ذرات الرمل وحباته البيضاء الناعمة.
كان ساحل المدينة في منتصف السبعينيات يضج بمرتاديه من مختلف الجنسيات، فقد كان البحر متنفساً جميلاً قادراً على استيعاب ذلك الزخم من الحضور، وعلى ضفافه البكر تتشكل صورة مبهرة.
وخلف ذلك الزمن الجميل حياة كأنها لوحة من التطور لا تنسى المدينة تفاصيلها الصغيرة؛ إذ لا تزال محفورة في الذاكرة، تهدي الحياة رونق البدايات وتجليات التاريخ والزمن.
كان البحر وما زال أيقونة تجسد الحياة بفحواها ومعطياتها وبشرها، وأحلاماً تجسدت بمعالم عالمية.
وفي تباين ما بين زمنين مختلفين، لا تزال على امتداد الكورنيش تطل حدائق خضراء، وزهور، ونوافير مائية تزفُّ نهضةً عمرانية تسابق الزمن، وشواهد تبثُّ نسقاً لا يهدأ من معالم المدينة، مستحضرةً مراحل زمنية تفجرت فيها الرؤى والقيم، وكتبت كلَّ عصرٍ بمعالمه.
وكانت «مشاتل الخالدية» تُنبتُ الأشجار والزهور لتُهديها لكلِّ من يبتغي زراعتها من قاطني المدينة؛ سواء بين الأمكنة، أو حول المنازل، أو على جانبي الطرقات، إذ تكفلت البلدية بالزراعة حتى أحالت المدينة إلى حديقة غناء.
ويبقى مبنى «السمكة الذهبية» بمثابة طواف الذاكرة على امتداد الحياة في أبوظبي، حيث ترى شمسها حين تتعامد أشعتها على ضفافها، لتصل إلى أعماق البحر، وتُعيد زخرفة الماضي ودفء أيقوناته من جديد.


