في معرض الكتاب، شاهدتُ كبار سن يتأبطون الكتاب، كمن يحتضن مولوداً في غاية الجمال، وكان مما يدهش أن ترى شخصاً قد بلغ من العمر عتياً، يتكئ على عصا العمر، ويمضي بين الأجنحة نورساً تحمله موجة الطموح الذي لم يذبل، تمضي به في ثنيات المعرض، وفي عينيه لمعة الصفحات التي قرأها، وعدد الصفحات التي سيفتح عينيه عليها، ويحاكي الزمن قائلاً هأنذا، لم أزل أحفظ الود مع خير جليس، أتمنى أن تكون خطواتي المثقلة بالعمر عبرةً لمن يريد أن يعبر العمر، ولا ينحني لعاقبة الليالي، ولا ينثني ظهره إلا لكتاب ألهمه الصبر ومنحه فرصة الولوج بين الكلمات، كما تلج الموجة في غضون الماء، ووهج الأحلام التي تطفو بين المقلتين.
كأن الكلمات قوارب النجاة من شيخوخة قطفت من العمر، ولم يسكن وميضها، وهي تدفع بالتي أحسن إلى عالم الكتاب، عالم النشيد الكوني وهو يفتح نوافذه للعيون التي في طرفها دعج، وتلك هي الاحتفالية البهيجة، عندما نرى إنساناً أتعبه الدهر، وما تخلّى عن الكتاب، حيث يمنحه عزيمة القوة في البحث عن الذات من خلال كلمة زاهية، وجملة تفتح الأجنحة على فضاءات أجمل من نجمة في السماء، وأزهى من وردة على الأرض لأن الجمال في ذروته عندما يلتقي الحب والكتاب، ويكونان في الوجود واحداً، يكونان النهر الذي يغسل عباءة الدهر من أي غبار.
عندما رأيت رجلاً بلحيته الفضية يعكف على رواية الزمان، شعرت بأن الأرض من تحتي تتحول إلى جناح عملاق، يحملني إلى حيث تكمن الغيمة، شعرتُ بأن الحياة من دون كتاب مثل بئر معطلة، بلا ماء، شعرت بأن الإنسانية لم تتخلّ عن الحب، إلا عندما طوت صفحات الكتاب، ونامت على وجع الفراغ الوسيع، حتى طلعت الشمس، ولم تجد من يفتح مصابيحها على صفحات الكتاب، فاختبأت في معطف البؤس، ونامت هي كذلك، كما تنام الخفافيش نهاراً، لعلها تطير في الليل، وتصطاد حلماً يشبه جملة مفيدة في كتاب مهم، كتاب «منطق ابن خلدون».
مررت على جناح، وشاهدت قراء مميزين، شاهدت أيديهم الممسكة بحصيلة اليوم الأول من معرض الكتاب، وفتشتُ في عيونهم، فوجدت ما يشبه انبلاج الفجر على عيني طائر أسطوري، يتخلق تواً، في عشه الكائن بين السماء والأرض.
اقتربت من حلم زارني في لحظة مباغتة، كان يتمشى الهوينا في ذاكرتي، كان يشبه طفلاً نسي حقيبته في المدرسة عندما شعر بثقل الكتاب، ولكن.. لما عاد، وفتح الحقيبة، ولم يجد الكتاب، ولّى وجهه صوب الأفق، هناك استمد العزيمة، وعاد وأمسك الكتاب، وقرأ كلمة «اقرأ». ومن هنا صدقت بأنه لولا الكتاب لما مشى ذلك الكهل، لأنه بحكمة الكتاب فهم أن في الحركة بركة، وأنه إذا وعى دور الكتاب كحامل أثقال فالأرض تخففها (شوي) كما قال المرحوم الفنان أبوبكر سالم بالفقيه.


