مما تبقى من أوراق منسيّة تسكنها مدن العالم، وهي كثيرة بحيث تضيق بها المساحة، ولو على يومين، مرة.. كنت ساهياً، لاهياً أتأمل في رحلة مختلفة ومغايرة، وبدأت في تدوين بعض الأرقام التي أكرهها، والمصاريف اللوجستية المتوقعة، وغير المتوقعة، وشغلات تعافها النفس، مثل المنظور، والمحتمل، وردة الفعل، وهي كلها بعيدة عن روح الطائر الهائم في سبحانية الله، وفجأة يأتيك خبر من شخص جميل ونبيل وصاحب مفاجآت في السفر أحبها، الله يطول عمره؛ أن ثمة وجهة جميلة، وقطعة من الفردوس والبحر والصخر، تقبع في المحيط الهندي، غالباً ما تنتظر زواراً جدداً يفيئون إليها، فالحياة فيها ما زالت على بساطتها، والغابات الخضراء يمكن لأي نفة مطر أن تزاغيها، فيهيم عقلك في جزر كثيرة في ذلك المحيط الأزرق، ويذكّرونك أنها سيشيل دونما أن تتعب رأسك، فلا يكون جوابك إلا على طرف لسانك كمن سقاك عسلاً على الريق، خاصة وأنها رحلة لا تحتاج إلى تذكرة سفر، ولا سمة زيارة للذين لا يعرفون معناها هي «الفيزا»، وحقيبة ظهر قد تفي بالغرض، وربما وزار «فتني» ومقصر بقماش «شربت».
ورغم أنني من عشاق الجزر، إلا أنني لم أقدر أن أتبين سيشيل من خلال التصور المسبق، لأنها الزيارة الأولى، وكم تفرحني الزيارات الأُول، بدءاً من ذلك المطار في مدينة فيكتوريا العاصمة الذي لا يشبهه مطار حتى في جزر الكاريبي، يمكن أن تشبهه بميناء صغير بدائي أو فرضة على السيف مع «كونتينرات» معدة للشحن أو مكتب جمركي، وانتهاء بالطرق التي تشبه طرقاً للخيول والعربات المجرورة، لا السيارات التي مقودها على اليمين على الطريقة الإنجليزية، والتي تسبب لي الصداع والهدام واللوعة، هذه الطرق التي تقطع الغابات والأحراش، وتصعد جبالاً، وتنزل أودية، وتماس صخوراً غرانيتية من الضيق بحيث لا تستطيع إلا أن تحبس أنفاسك إذا ما مر بك «باص» أزرق، ليس من حرق الديزل، بل لأن أي غلطة بسيطة يمكن أن تستقر بين الأشجار أو قعر الهاوية، لأنها دون حواجز تمنع عنك أقل الضرر.
الغريب أنني لم أشاهد إشارة مرور في طرقات تلك الجزيرة وقتها، وقيل لي إن هناك واحدة قبل الدوّار الوحيد، والساعة الوحيدة، وقد أصبحت مكاناً يتصور عنده السياح، لكن مقابل ذلك ثمة بذخ في فنادقها، وثمة طهارة في بحرها، وثمة طيبة وبساطة في أناسها، والأجمل أنها غير قابلة للازدحام، فالسيارات معدودة، والسكان معدودين، والبساطة والفطرة الإنسانية الأولى تسيّر الجميع.
سيشيل وحدها يمكن أن تسرقك من العالم، بحيث تنسى نفسك، هي جميلة لأيام لتلتقط فيها أنفاسك المتعبة، وروحك المبعثرة بين هنا وهناك، وهذا وذاك، يمكنها أن تطبع إقامتك بالفرح والبراءة، وهدأة النفس، وسكون الحواس، ما جعلني أتوجس فيها، وأتربص منها، تلك الطرقات الضيقة الهاوية منها، والمطلاع، والتي بلا سياج، والحافلات العامة الزرقاء التي تلاقيك في المنعطفات، وطبق أجنحة الخفّاش الذي ظل يتراءى لي في الأحلام لأيام طويلة، موحيّاً لي أنني بذلك المعطف الأسود الطويل وقبعة «إبراهام لنكولن» أنني أحد مصاصي الدماء!


