يعرف المقربون مني أنني بكيت بحرقة وألم، في ذلك اليوم الذي أُعلن فيه تأجيل معرض أبوظبي للكتاب، قبل ثلاثة أسابيع من موعد انطلاقه في أبريل الماضي. توقعت وقتها أن إلغاء برنامجي، وضياع جهودي في التحضير للمعرض، هو سبب انهياري ذاك. غير أنني لم أكتشف السبب الحقيقي إلا بعد إقامة المعرض وانتهائه في نهاية الأسبوع الماضي!
عندما نغرق في الألم، لا تنقذنا الحياة دوماً بالطريقة التي نتوقعها؛ كحدث صاخب، أو تغيرات مادية كبرى، أو تدخل أشخاص بعينهم. فهناك أشياء تمر في حياتنا وتنتشلنا من دون أن نمنحها أسماء. أو بطريقة أخرى -حتى لا يغضب مني أولئك الذين يصرون على أنني أكتب بلغة غامضة- هل شعرت يوماً أنك تعاني بشدة، ثم تعافيت من دون أن تعرف كيف حدث ذلك؟!
هذا ما حدث معي. لقد تعافيت بعد المعرض.. ولكن كيف؟
هناك أشياء نبالغ في تقديرها، ونجعلها مركز حياتنا، ونحسب سيرتنا بها، كالشهادة التي حصلنا عليها، والوظيفة التي تقلدناها، والكتاب الذي أنجزناه. وننسى الأشياء الخفية التي أبقتنا قادرين على الاحتمال، وعلى الاستمرار، وعلى الوصول أصلاً.
وهنا اكتشفت أنني أكتب سيرتي بهذه الطريقة الظالمة. فلم أكتب عن المساحات التي أعادت إليّ نفسي كلما أثقلتها الحياة، ولا عن الأشخاص الذين مروا في أيامي ولم أعرف وقتها أنهم كانوا جزءاً من قدرتي على الاستمرار.
وفي سيرتي الخفية، كان «بحر الثقافة» أهم تلك الأشياء. فيه عرفت الصديقة التي جعلتني أضحك وقت كان قلبي ممتلئاً بالهم. وفيه حضرت الاجتماع الذي جعلني أخرج من عزلتي، وإليه ذهبت للمحاضرة التي أعادت إليّ شيئاً من فضولي، وبين عضواته عرفت ذلك الإحساس العميق بالانتماء، وهناك فقط أشعر أنني لست غريبة عن هذه الحياة.
كان غياب المكان الذي كنت أستعيد فيه نفسي، من دون أن أنتبه، هو ما أبكاني! ففي فعاليات «بحر الثقافة» بالمعرض، أستعيد وجداني وسط زحمة الحركة والنساء والكتب، والحوارات والضحك، والمواعيد والتوتر والانتظار. أشياء قد تبدو عاديةً جداً من الخارج، لكنها كانت تبقي كل ما في داخلي حياً.
والآن عزيزي القارئ، لو طلبت منك أن تكتب سيرتك الخفية..
فماذا ستكتب؟!