تُعدّ جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية منارة علمية وفكرية بنَت لنفسها مكانة متقدمة بين الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المعنية بالعلوم الإنسانية، بفضل مستواها العلمي والفكري والأكاديمي، وما تضمّه من نخبة من العلماء والمفكرين والأساتذة. ويرأس مجلسها العلمي معالي العلامة عبدالله بن بيه، بما يمثّله من حضور علمي وفكري بارز، وما يملكه من إسهامات واسعة في مجالات الفقه والاجتهاد والتجديد في العلوم الشرعية، والحوار بين الأديان والثقافات.
وجدت الجامعة نفسها، قبل أيام، أمام نقاش واسع على خلفية حوار تلفزيوني لمديرها الدكتور خليفة الظاهري، ضمن برنامج «حديث العرب» عبر فضائية «سكاي نيوز عربية»، والذي يقدمه الإعلامي الإماراتي الدكتور سليمان الهتلان.
انطلقت حول الحوار حملة من منصّات تابعة لجماعة «الإخوان» الإرهابية وأنصار بعض التيارات المتشددة، ممّن يتبنّون قراءات أحادية للدين الإسلامي، بينما يقوم جوهره على الوسطية والاعتدال واحترام الاختلاف والآخر.
لقد شهد عالمنا العربي والإسلامي، على مدى عقود، بعض أشكال الخطاب المنغلق التي أفرزت مواقف متشددة تجاه المفكرين والكتاب، وأحياناً من دون معرفة كافية بأعمالهم أو قراءة ما كتبوه. ولنا أمثلة مؤلمة على خطورة هذا المناخ الفكري عندما يتحول الاختلاف إلى توتّر، وقد يصل أحياناً إلى العنف.
لقد أسهمت الإمارات، بسياساتها ومبادراتها ومواقفها، في التصدي للكثير من مشاريع الفوضى والتطرف التي استهدفت أمن المنطقة واستقرارها، كما دعّمت خطاباً يواجه الغلو والإقصاء، ويؤكد أن الدين يمكن أن يكون مساحة للتعايش والتقارب، لا سبباً للانقسام.
وحين تتعرض مثل هذه التوجهات لحملات هجومية ممنهجة، فإنه يزيد التمسك بالنهج الإماراتي القائم على الاعتدال والانفتاح، وبالرؤية التي أرست دعماً واضحاً لخطاب ديني يعزّز الوسطية ويرفض التعصب والغلو والانغلاق.
الحملة وما رافقها، تفتح باباً مهماً للتأكيد على أن الحوار الفكري ينبغي أن يظل قائماً على الحُجّة والنقاش الهادئ، وأن اختلاف الآراء لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو تشهير، فالأفكار تُناقش بالأفكار، والرأي يُقابل بالرأي.
ومهما اتسعت مساحة الجدل، فإنها لن تحول من دون استمرار الحوار، ولن تنتقص من قيمة الفكر الواعي. وستبقى الإمارات، بما ترسّخه من قيم التسامح والسلام والحوار، مساحة داعمة للفكر الإنساني، وجسراً للتواصل بين الشعوب والثقافات، وصوتاً للاعتدال، ومؤكداً على أن مواجهة الكراهية تبدأ بإعلاء قيم التعايش والاحترام والحياة.