هناك مواهب ومبدعون في مختلف أنواع الثقافة والفن والأدب هم سجناء العمل الواحد الذي يشبه بيضة «الرُخ» بحيث لا يغادرونه أو يسجنون أنفسهم فيه، السجن للذات يتنوع، أما السجانون فهم أنفسهم الذين قرروا أن يبقوا داخل القضبان لا خارجها، من هؤلاء الشعراء، منهم من له قصيدة يتيمة سجنته أو سجن نفسه فيها، ومنهم من أرسل قصائده وشعره ليسافر بدلاً عنه، في حين لم يغادر هو حدود الوطن، ولعل الشاعر اليمني والأستاذ الجامعي عبد العزيز المقالح، واحد منهم، عرفه الوطن العربي ولم يره، طافت كلماته الأمكنة التي لم يعرفها أبداً، ولعل أغنيتَيْ «ياظبي صنعاء» و«إن يحرمونا» من ألحان الفنان أحمد فتحي سبقتاه في السفر، وهو بقي يؤمن بالقول العربي محرفاً: «لا بد من صنعاء، وإن لم يكن سفر»!
وهناك شاعران مختلفان ويتشابهان معه، أحدهما كان سجين «الوطن» شعراً، وواقعاً، غير أن قصيدته كانت حرة، واستطاعت أن تخرج للوطن العربي قبله، عرف الناس كلماته قبل أن يروا صورته، واستمتعوا بنثره من خلال رسائله مع صديقه الشاعر محمود درويش الذي سبقه للخروج من «الوطن»، وبلوغ العالمية، هو الشاعر سميح القاسم، والشاعر الآخر هو اللبناني جورج جرداق الذي ذاع صيته مبكراً حينما غنت له أم كلثوم، ومن ألحان محمد عبد الوهاب أغنية «هذه ليلتي»، وبقي سجين تلك الشهرة والأغنية، حتى كاد اسمه أن يتوارى خلف حضور أم كلثوم وعبد الوهاب الطاغي، وعلى الرغم من أن جرداق كاتب وصحفي وأكاديمي، وأنجز الكثير مع الرحابنة، وغيرهم، إلا أنه كان قليل الظهور الإعلامي الجماهيري، وأعد أجمل موسوعة عن علي بن أبي طالب بقراءات في العصر، ختمها بمنتقيات من «نهج البلاغة»، لكن جرداق ظل طوال حياته أسير الوطن الصغير لبنان!
وهناك مبدعون صنعوا شيئاً جميلاً ومختلفاً ومتفرداً، وجال العالم وتغنى بلغات عدة، حتى بقي هذا العمل عالمياً، وصانعه قابع في محليته، ولا يعرفه كل الناس الذين يستمتعون بلحن أغنيته لأنه وقع بين هرمين عالميين، واحد أدبي «جبران خليل جبران» وفني «فيروز»، ما أعنيه هو «المنولوجست» والفنان اللبناني الذي لحن أغنية «أعطني الناي وغني»، نجيب حنكش الذي قدم لحناً عالمياً لا يتكرر.
وهناك الروائيان الجزائري، كاتب ياسين، الذي قبع في أسر وسجن روايته الفرنسية والمترجمة للعربية «نجمة»، رغم أنه كتب الكثير بعدها، والروائي المغربي، محمد شكري، الذي بقي أسير مدينة طنجة، وأسير روايته التي شهرته «الخبز الحافي» والتي ترجمها إلى الإنجليزية صديقه الكاتب الأميركي، بول بولز، وترجمها إلى الفرنسية الروائي المغربي «الطاهر بن جلون»، وغداً نكمل.


