خمسة أيام فقط، كانت كافية لكي يتذوق برشلونة مرارة الهزيمة مرتين، ولكي يكتشف أن الطريق إلى المجد لا يُفرش دائماً بالورود، حتى عندما يبدو الفريق الكتالوني وكأنه يمشي فوق الماء، محصناً بالانتصارات، ومدججاً بكل ما يجعل منه قوة ضاربة يصعب كبح جماحها.
في خمسة أيام، تحالف لويس إنريكي وجوزيه مورينيو، لا على مائدة واحدة، ولا عبر اتفاق مسبق، ولكن عند نقطة التقاء نادرة تجمع مدرستين مختلفتين في كرة القدم، وتوحدهما غاية واحدة.. إسقاط «البارسا» من عليائه، ووضع حد لزهوه، وتذكيره بأن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يمتلك مفاتيح اللحظة، ويعرف كيف يحوّل نقاط قوة الخصم إلى منافذ للعبور نحو الانتصار.
لويس إنريكي، الذي يعرف البيت الكتالوني من الداخل، ويقرأ تفاصيله كما يقرأ المرء سطور كتاب مألوف، كان أول من أوقف اندفاع «البارسا»، مستنداً إلى شخصية باريس سان جيرمان، وإلى تلك الجرأة التي تجعل فريقه لا يخشى مواجهة الاستحواذ الكتالوني بلغته، ولا يتردد في ضربه في المساحات التي يتركها خلفه. لم يكن الأمر مجرد انتصار في مباراة كبيرة، بل كان درساً في أن الاستحواذ، مهما بلغ من الإغراء، لا يصنع وحده الانتصارات، وأن كرة القدم الحديثة تحتاج إلى ما هو أبعد من تدوير الكرة والاستحواذ على الزمن والمساحات.
ثم جاء جوزيه مورينيو، العائد إلى مسرح الكلاسيكو بعد غياب طويل، ليكمل ما بدأه المدرب الباريسي في أسبوع الانكشاف المرير، ولكن بأدواته الخاصة، وبفلسفته التي لا تخجل من الواقعية، ولا ترى في الانضباط الدفاعي انتقاصاً من قيمة اللعب، بل شرطاً أساسياً للعبور إلى الضفة الأخرى.
لم يذهب ريال مدريد إلى الكامب نو، ليكون شاهداً على استعراض كتالوني جديد، بل ذهب ليعلن أن له مشروعه الخاص، وأنه لا يفاوض على هيبته، حتى عندما تتعالى أصوات التشكيك وتضيق مساحات الثقة.
بين إنريكي ومورينيو خيط ناظم اسمه الذكاء التكتيكي. الأول راهن على الجرأة والسرعة والضغط ففاز في حديقته بالرباعية، والثاني راهن على التنظيم والصلابة وحسن تدبير اللحظات الحاسمة فكان الفوز للريال بقاعة الكامب نو والذي لا يتكرر كثيراً.
بالتأكيد، بين العبقري لويس والداهية مورينيو اختلفت الوسائل، لكن النتيجة واحدة: خسارتان متتاليتان لبرشلونة، في ظرف خمسة أيام، بعدما بدا أن قطاره المكوكي لا يعرف التوقف.
ولعل الدرس الأعمق الذي تحمله هذه العاصفة ليس في عدد الأهداف ولا في التوقف الاضطراري لسلسلة الانتصارات، بل في أن البارسا، مهما امتلك من مواهب، ليس عصياً على الاختراق. فحين يُحرم من راحته في البناء، وتُغلق أمامه المنافذ، ويُجبر على اللعب تحت ضغط القرار، تظهر الشقوق التي تخفيها الانتصارات المتوالية.
هكذا تحالف الكبار، من دون موعد ومن دون سابق اتفاق، ليقولا للبارسا إن الطريق ما زال طويلاً، وإن العروش في كرة القدم لا تحميها الأسماء ولا الأرقام، بل القدرة المتجددة على إثبات الاستحقاق. وفي انتظار الرد الكتالوني، يبقى السؤال هو.. هل كانت هزيمتا الأيام الخمسة مجرد عثرة عابرة، أم بداية امتحان حقيقي لفريق اعتقد أن لا أحد قادراً على إيقافه؟