امرأة عند منعطفات الشوارع وتقاطعاتها، وفي إشارات التوقف المرورية، تجدها تقف كظل للبراءة، مسالمة، قليلة الكلام إلا مع نفسها، ما يجعل العين تلتقطها، وتضع لها إطاراً في الذاكرة، وجهها الأبيض المشوب بحمرة ظاهرة لم تتعب كثيراً في اكتسابها، ربما هو ذاك العرق الدساس ميراث الأب الذي نسيها في الشارع، وهرب خوفاً من تبعات الإعاقة الذهنية، وما يمكن أن يخدش حياءه الاجتماعي، ويؤثر بشكل من الأشكال على سمعته التي يدرك وحده أنها ملوثة، ويرسلها للناس دوماً خادعة، لا تعرف كيف صادقتها العافية، ولا من كان يطعم طفولتها حتى امتلأ جسدها، وغدا يساوي جسد أنثى مكتملة، لولا هلاهل الثياب التي كانت في البداية صوفية، ومن كثرة الاستعمال تحولت إلى قطنية رخوة ومثقبة.
تقف دائماً على حافة الرصيف وتستجدي بعينيها، حتى ظننت أنها خرساء أو بها علة في النطق، لكنني مرة سمعتها تغني أغنية طفولية حينما فتح لها طفل نافذته، وظل يطالعها بدهشة فضول لا يوده أن ينتهي، وربما كبر معه، لم يحادثها، فقط حين تحركت سيارة أمه، رفع يده ملوحاً لها، فغنت له تلك الأغنية، وأسمعت نفسها.
تلك الفتاة التي لا تكبر، كنت أراها لسنوات في مكانها المعتاد على جوانب تقاطع الشوارع الأربعة بشكل شبه يومي حين أصل تلك المدينة التركية البعيدة، وأفرح كثيراً أنها ما زالت بخير، وأن الوجه ما زال يضرب لحمرته الجميلة، وأن عافية الجسد يمكن أن تعينها على انتظار الأحلام الأسيرة، فقط تلك الأسمال التي تتدثر بها تنم عن غياب الأم الحقيقي، وأن الحياة كثيراً ما تكون ضد الناس البسطاء حتى في سيرهم وحدهم في الغاب.
كنت أفزع كثيراً حينما أمر بذلك المكان الذي يعترض طريقي في تلك المدينة التركية البعيدة، ولا أجدها في مكانها قابعة تتذكر حزنها أو تتنقل بين تقاطعات الشوارع طاردة هواجس اليوم، باحثة في وجوه الناس العابرين عن شيء ما لا تعرفه أو حين أراها حافية، متورمة القدمين على الرصيف المبتل، والبرد مثل حجر مسنن، أو صيفاً حين تلسعها أشعة الشمس فتجعل وجهها مشتعلاً بحريق ما، لا تدري كيف يمكن أن ينتهي، كنت أنقدها بما يتيسر لتلك اليد اليمين بما اكتسبت، محاولاً سرقة بسمة منها مختبئة أو تداريها بيدها ستراً للأسنان المصفَرّة، لكنّ عينيها تقولان شيئاً يسكن في نفسها، ليت هذا الرجل أخي! أشعر بذلك مثل خنجر يخترق الخاصرة.
بين الجنون والاعاقة وافتراش أرصفة الشوارع، وذلك الغياب القاسي لأب ذهب بعد نشوته في ظلمة الهروب الأزرق، وأم ربما قتلتها الفجيعة، وآثرت الضياع في الفراغ، وتلك الفتاة التي بدأت تكبر مكتنزة بالعافية، وبالبشرة البيضاء المحمرة، ويسترها الرصيف، مسالمة حد الهبل الطفولي كنت أراها لسنوات، فجأة وجدتها هذه المرة حاملاً، تتعكز على الوجع، وتقترب من زجاج السيارات بخجل، وبسمة العين غائرة بعمق في تجاويف المحجر، وهناك كلب أجرب يستظل بفيء بعيد يراقبها بتوجس وحذر.


