في كل لغات الشعوب المختلفة هناك مصطلحات محلية تظل تكبر مع الأجيال المتعاقبة حتى تصبح متعددة المعاني والدلالات، وهي مقياس لأشياء كثيرة في الحياة، مثل مصطلح أو جملة «خَلّه يوَلّي»، فالناس هنا يستعملونها في نهارهم وليلهم، ولا يوازيها إلا جملة «مرحباً الساع»! التي بدأت تتراجع في السنوات الماضية.
«خَلّه يوَلّي» لها معان عدة، واستخدامات عدة، وتقال بنبرات متعددة، وهي وحدة قياس الحال، وما يؤول إليه المآل في حياة الناس، وعنفهم اللفظي، وأحياناً كثيرة يسبقونها بكلمة «طبّه»:
- واحد ما عجبهم تصرفه، وتبرموا من أفعاله، وسوء أخلاقه، صاحوا غير مكترثين: «خَلّه.. يوَليّ»! مقياس سلوك.
- عامل فني، كلما جاء إلى بيت أحدهم بدلاً ما يصلّح يخرّب، وما عنده غير تلك الجملة غير المفيدة «ما في مشكلة»، المشكلة أنه في كل مرة يخترب شيء، وحين يمل صاحب البيت يطلق تلك الجملة «خلاص خلّه يوليّ» وهنا مقياس أداء.
- إذا ما مرّ شخص، ولم ينتبه لك، ولم يلق عليك السلام، ستعتبره إما متكبراً، وإما نافخاً صدره على الفاضي، لذا لن تخطيه جملة: «خَلّه.. يوَليّ»! شكله هذا «خكاك»، و«متكومن»، وما عارف نفسه. مقياس عتب.
- إذا واحد تحدث عن شيء، وبالغ فيه، وكبّره، وضخّمه، وأدّعى أنه الأفضل، والأجمل، والأحسن، والأفضل، فسيتركه الناس، وحالهم جميعاً يقول: «طبّه خَلّه.. يوَليّ»! هذا «لوتي.. عطّالي، بطّالي»، واللي يقوله، لو فيه خير، ما رماه الطير. مقياس لصيغ المبالغة.
-«الجيل الطالع الجديد»، يتعب أباه، ويشقي أمه، وبالتأكيد لا يستمع لكلام خاله، أما عمه، فلا يعده إلا واحداً من أبناء القبيلة، وحين يحتاج للزواج، طمعاً في بنت العم، ويريد كل شيء على شوره، وبكيفه، ويرغب مستقبلاً أن يصبح «هتّلي، وما عنك ناشد، فتسمع الناس قبل الأهل يقولون: «خَلّه.. يوَليّ»!«امّبونها النار ما ترّث إلا الرماد». مقياس للتربية.
- إذا أحد ظل يهلّ عليك ما في رأسه من الكذب، ويخرّط عليك من الأولي والتالي، وانت فاك نطعك، وهو يمزر إثبانك، حتى تكتشف بأن لا شيء في قبضة اليد، تقول في خاطرك: «خَلّه.. يوَليّ»! أعمى عيوننا من الكذب، وخَرّسنا من الخريط. مقياس لعدم الرضا.
- إذا واحد من جماعة ما يطلبه المستمعون، ما يخلي بثاً مباشراً منذ صباح الإذاعة الباكر، إلا وأدلى بدلوه فيه، ولا يترك مناسبة عرس جماعي، إلا وكان أول المهنئين، وتلقاه يظهر في صور الصحف ولو بطريقة معيشة، وينتهز أي فرصة تلفزيونية، ولو كانت بين شوطي مباراة خاسرة، ليعلق على أداء الفريقين، وتجد جل حديثه عن البنية التحتية، وتحسين الأداء، وعصر النفقات، والحوكمة، لكن قبل أن يتم حديثه المكرر، تسمع الناس يقولون: «طبّه.. خَلّه يروح يوَليّ لاه»! مقياس للرأي العام.
- إذا واحد كبر «الدرام«» يتضارب مع كرسي سيارته، ويلايم سندويتشات الشاورما، ومعه أولاده الصغار، كمشاريع تعليف مبكّر، وبعد ما خلص من لطم تلك الذخيرة اللحمية الشحمية، يتثاقل ويرمى ورق السندويتشات المشبعة بالزيوت الشحمية بجانب سيارته، ويتجشأ باعتدال، وينصرف مودعاً البيئة غير النظيفة، هذا ما له إلا: مخالفة، وهزاب من حزب الخُضر، وجملة «خَلّه.. يوَليّ»! هنا مقياس تحضر، ووعي بيئي.