أول مباراة نسائية شاهدتها في حياتي بين منتخبي البرازيل وفرنسا كانت مقامة في باريس على ملعب «استاد دو فرانس- سانت دونيه» قبل عشر سنوات، تنقص أو تزيد قليلاً، يومها لم أكن مقتنعاً كثيراً بالمباراة ولا باللاعبات، فقد كانت مثل شوط نسائي ممل أو أشبه بعراك نسائي في الحارة، فيه كلام نسوان وصراخ وزعل وغيرة وحسد ونظرات ذات معنى توحي بعدم الارتياح.
كانت تلك المباراة النسائية تجربة شخصية، لن أحرص كثيراً على تكرارها، ولو كنت جالساً على أريكة من جلد، لكنني محب لمشاهدة مباريات كرة التنس النسائية وكرة الطائرة النسائية لأن فيهما متعة وتشويقاً حتى النهاية، بعكس كرة القدم النسائية التي اعتبرتها تجربة ذهنية تخيلية لا يعدلها تجربة، خاصة بوجود الفاصل الجميل والمضحك الذي ستعيشه لوحدك، ومع نفسك، وشطط تفكيرك، ولن تشاهد أحداث المباراة الميدانية، خاصة إنْ كان تفكيرك شرقياً محضاً، والفريق كان نسائياً عربياً مفترضاً أو تخيلياً، رغم وجود أكثر من منتخب عربي في كرة القدم ولعبات أخرى، ورغم البطولات النسائية والمنتخبات العالمية للنساء، إلا أن النساء بشكل عام غير مقتنعات بالفكرة من أساسها، ورغم أن اللاعبين الرجال في كل العالم يحسدون على مدخولاتهم المالية وأضواء الشهرة والبريق الإعلامي والاجتماعي، إلا أن لاعبة المنتخب الألماني عندها فكرة تدحض ذلك، فقد تخلت عن البريق الرياضي، لأنه لم يأت بهمه، واتجهت إلى التصوير والإعلان، وهما لعبتها التاريخية الأولى، وسلاحها الذي تحبذه في مفترقات الحياة ومنعطفاتها المصيرية.
دعونا نعلق على المباراة الافتراضية والمتخيلة الدائرة رحاها في صالون، عفواً في استاد كرة القدم الرياضي، فأول شيء لافت للنظر غير وجود حشد نسائي، هو تغيب رابطة المشجعات، لأن كل واحدة لاهية بشغلها في البيت ومطبخها، ولأن المباراة تخلو من أي حماسة، وفاترة طوال شوطيها، ويفترض أن تكون مباراة النساء من شوط واحد، أو «شورت واحد قصير» فالكرة في الملعب تشعر أنها تائهة، ولا واحدة تكلف نفسها عناء متابعتها أو الجري وراءها، فكل واحدة متكلة على أختها، وصعب أن تضرب الكرة بالرأس خوفاً على التسريحة، والرفعة الطويلة تحتاج لعضلات قوية في القدم، وهي «شوتتها على قدها»، أما إذا احتكت لاعبة بأخرى، فربما تنتهي الأمور بالعض والصريخ، وشد الشعر، والتخميش بالأظافر.
ستجد اللاعبة تغار من ملابس غريمتها، ولون الفريق الثاني، ولاعبة أخرى منهن لو شهر الحكم - وهي امرأة مثلها- في وجهها البطاقة الحمراء، فربما لن تخرج من الملعب، لأن اللون لا يعجبها، وتريد بطاقة بنفسجية علشان نفسيتها أو لأن الحكم يغار من جمالها، أما إذا رفعت حاملة الراية رايتها، فستصرخ اللاعبة في وجهها: لماذا لم ترفعها في وجه اللاعبة فلانة؟ وإلا أن الدنيا «بغايا وشفوف»، أو سترفع صوتها بأن رافعة الراية ما «تدانيها»، لأنها لاعبة، وهي كانت لاعبة فاشلة، وإذا صار أي احتكاك بين اللاعبات، فستسمع المعايرة بالقبح، وسواد الوجه، بعض اللاعبات ستصر على اللعب بالكعب العالي، لأنه آخر موضة الآن، أما بعد المباراة فسيتم «القرض» والنميمة، والحكي على فلانة من اللاعبات، وعلانة من طاقم الحكام.. وستنسى المباراة تماماً، ونتيجتها التي لم تكن لصالحهن، طبعاً المدرب بالتأكيد لن يسمعن كلامه، وخططه الفنية دائماً ما تلقى اعتراضاً منهن، لأنه كان لزاماً عليه أن يشاورهن قبل أن يضع أي خطة، أما حارسة المرمى، وبعد تسجيل عدة أهداف في مرماها، فستترك المرمى وتدخل الملعب ولسان حالها يقول: «ايييه.. تراني مب خادمة عند أبوكن»!