الأمن الغذائي في عالم اليوم لم يَعُد مجرد قدرة على توفير الغذاء، ولكنه بات قضية استراتيجية تتصل بأمن الدول واستقرار اقتصاداتها واستدامة مجتمعاتها. ومن هنا تكتسب الجهود الإماراتية في هذا المجال أهمية خاصة، من خلال تأمين احتياجات السوق، وبناء منظومة متكاملة قادرة على مواجهة الاضطرابات وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وصناعة فرص جديدة للزراعة والغذاء والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، تأتي استضافة أبوظبي للنسخة الأكبر من «الأسبوع العالمي للغذاء 2026»، برعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، رئيس مجلس إدارة هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، بمشاركة 2580 عارضاً ومستثمراً ومشترياً وصانع قرار من 92 دولة. مشاركة واسعة تؤكد أن الغذاء أصبح ملفاً عالمياً يتطلب التعاون وتكامل الجهود، كما تعكس مكانة الإمارات كمنصة تجمع مختلف حلقات منظومة الغذاء، من الزراعة والإنتاج والتصنيع إلى التجارة والاستثمار والتكنولوجيا.
وتظل القيمة الحقيقية لمثل هذه الفعاليات ليس في حجم المشاركة وحسب، وإنما في قدرتها على تحويل اللقاءات إلى شراكات واستثمارات. وما شهدته الدورة السابقة من إبرام 58 اتفاقية بقيمة 6.6 مليار درهم يؤكد أن قطاع الغذاء بات مجالاً اقتصادياً واستثمارياً متنامياً، إلى جانب كونه أولوية استراتيجية.
الإمارات تتعامل مع الأمن الغذائي بمنظور يتجاوز تأمين الإمدادات إلى بناء القدرة على استمرارها. فتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، والاستثمار في الزراعة الذكية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وربط المنتجين بالأسواق العالمية، كلها حلقات في سلسلة واحدة هدفها تعزيز قدرة المنظومة الغذائية على مواجهة المتغيرات.
وتأتي القمة العالمية للأمن الغذائي لتضع هذه الرؤية في إطارها الأوسع، بالبحث في الانتقال من مرحلة مواجهة الأزمات إلى الاستعداد للاضطرابات المستقبلية، عبر التكنولوجيا والابتكار وتكامل سلاسل الإمداد والاستثمار المستدام.
مشاركة الهند كضيف شرف، وحضور المنظمات الدولية، واتساع مشاركة المزارعين والمنتجين والشركات الناشئة، تؤكد أن الأمن الغذائي لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن الشراكات الدولية.
كما أن الاستثمار في الإنسان يمثّل ركناً أساسياً في هذه الرؤية، بتمكين الشباب والمزارعين وروّاد الأعمال، وفتح المجال أمام الشركات الناشئة لتطوير حلول جديدة في الزراعة والإنتاج والتخزين والنقل. فالمستقبل الغذائي لا تصنعه الموارد وحدها، وإنما تصنعه المعرفة والابتكار والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء اقتصاد غذائي أكثر استدامة وتنافسية.
مع ما يشهده العالم من تغير حركة التجارة وتعاظم التحديات المناخية والمائية، يصبح الغذاء جزءاً أساسياً من معادلة المستقبل.
والرسالة الإماراتية هنا واضحة: الأمن الغذائي لا يُنتظر عند أبواب الأزمات، بل يُبنى قبلها، بالاستثمار، وتنويع الشراكات، والابتكار، وسلاسل إمداد أكثر مرونة وقدرة على الصمود.


