أتعجب من ناس يشترون أشياء غالية بمواصفات مبالغ فيها -مش معقول ملاعب الغولف والطبيعة المحيطة بها وطقوسها الهادئة، والله أجمل من كل المنازل مهما كانت غالية، وأحلى من كثير من الفنادق الفخمة، شكلهم أعدوها لتكون قصوراً صباحية، من هو يا ترى صاحب تلك الفكرة الخضراء المنعشة؟ لو بس يعطوني عريشاً من جريد في ربوع تلك الملاعب التي على امتداد البصر، ومهنتي فقط عد الحُفر! -كنا في المطار عائدين وعطس واحد خلف شيلة سهيلة، وطارت سهيلة مب الشيلة مسافة أمتار، لتحلّ على كرسي من مقاعد المطار، وهي متغطية ومتغشية وتدعو في نفسها بزوال ذاك العاطس لا تشميته، فلقفت ذاك المشهد، وأنا أضحك من الخاطر، خاصة أثناء الطيران بتلك العباءة التي تشبه «الباراشوت» والهبوط الآمن على مقاعد المطار، فواسيتها بأن الذي عطس شخص يبدو عليه أنه آسيوي هزيل، تكاد أن تحسب أضلاعه الخارجة من قفص صدره، فصعد الخوف إلى الجوف، وكاد يغمى عليها، فقلت لها ممازحاً: معقول كل هذه الفيتامينات التي تصرطينها كل يوم، والكولاجين السمكي، وكولاجين المفاصل، و Q10 ما بتصد عنك عطسة قادمة من أعماق آسيا. ظلت طوال رحلة الطائرة تتشكى وتدعي، وتتناول أشياء ساخنة فقط، ومتلثمة بشيلتها، وأنا أحب هذه المواقف، وأزيد وأعيد عليها من قصص المخيلة الخصبة عن مدى سرعة انتشار الرذاذ في الجو المغلق، وكيف يمكن أن يلتصق بالثياب السوداء، والصوفية أكثر، فقامت ورشت زجاجة عطر بحالها عليها، ولم تتناول أي وجبة، وغيرت من دعاء السفر إلى قراءة الحصن الحصين.. تصدقون بعد ما وصلنا البيت ثاني يوم أصبحت الصبح حصلانة وميهودة وطايحة من العطسة التي اعتبرتها مزحة، وألصقتها بآسيوي ضعيف، وإذا بالحرمة مب هي اللي كانت تمشيني يومياً عشرة كيلومترات في طرق ماطرة باردة، وتحولت تلك الضحكة إلى واقع، معقول تكون حالة نفسية، وإذا بها فعلاً محمومة، وتدعي على ذلك الآسيوي وعليّ، وأنا ما زلت غير مصدق وأضحك، لكن مكرهن عظيم، ظلت تتفدى، ولا خليت من الغالي، ويا بعد عمري حتى ألصقت العدوى بي، ولما شعرت بتلك الحمى النفّاضية أيقنت أن هذا الحب المجاني طلع عليّ أكثر من بيع السوق، ولما بديت أكح، قالت واستراحت بعد الشفاء: شفت أن كلامي دائماً في مكانه، فقلت، لا خليت منك! قالت: قلها من مكان بعيد أو عن بُعد، والأفضل ترسلها لي «مسج»! -اللي ما يخلينا نراجع الدوائر أننا كلما رحنا عند موظف أو موظفة، إلا وأسمعوك جملة: «تفضل عمي»، و«حيّاك خالي» أو «مرحبا الوالد»! فيرجع الواحد منا يعد سنينه، كيف انقضت؟! يا أخي الواحد يتم في لندن أو ميونيخ ثلاثة أشهر الصيف، ومرات يتعالج، ولا تسمع إلا كلمة «سير»، وجملاً تصلب الظهر، وترد الشباب، عندنا ما تسمع إلا كلمات ما بعد التقاعد يثقلون بها أكتافك، قال: عمي! عمموك بخصف. -أتعجب من ناس يشترون أشياء غالية بمواصفات مبالغ فيها، وأشياء لا تجد لها ضرورة، خاصة عند الناس اللي ما عندهم بارض، وأكثرنا كذلك، المشكلة أن بعض الناس يصرون على هذه المميزات والمواصفات الخاصة، لكنهم لا يستعملونها، وبعد الشراء لا يسألون عنها، ولا يعرفون استخدامها، وإن عرفوها تكاسلوا عنها بسبب تعقيداتها؛ الحين اشتريت ساعة يد ثمينة، ليش تريدها تقيس قاع الغطس أو عمق «الدايفنج»، من كثر سيراتك للبحر يعني، في ناس عندهم من تلك الساعات الذكية التي ما تخليك في حالك، وتتدخل في نبضات قلبك، وكم ساعة مشيت اليوم، وأن ساعات النوم لديك كانت أقل من المتوسط، حتى حين ينقلب الواحد منهم على جنبه الشمال، تذكره بأن الأفضل أن يرقد على برده اليمين، وأن يرضف عليه «برنوص»، ويحط مخدتين تحت رأسه، وصباحاً تسأله: ليش ما صبّحت على جارك «أبو سعيد» اليوم؟!