الثرثرة هي بداية الإشاعة، خاتمة الشائعة، لكنها كلها شر، كان الكاتب نجيب محفوظ قد كتب «ثرثرة فوق النيل»! في شهادة على فترة من حياة مصر السياسية، وهي فترة الستينات من القرن الماضي، وما تسببت فيها للإنسان العربي، وحديثنا عن «ثرثرة في الليل»! لأن مقالتنا تعني بالإشاعات أو الشائعات، مع أن الأمر لم يحسم بعد بين أتباع مدرسة الكوفة وأتباع مدرسة البصرة النحوية بشأن الإشاعة، وجمعها إشاعات أو الشائعة وجمعها شائعات، والتي يحترف فيها العلك كثير من شلل السامرين، وصحبة الساهرين، والمتسمرين واللاهثين وراء «الشات» ومحترفي الـ«مسجات».
فأساطين الإشاعات يزوجون هذا لهذه، ويطلقون ذاك عن تيك! ويعرفون تفاصيل رواتبنا، ومشكلاتنا وهمومنا، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، ويشيعون حتى ما خفي في الأرحام، وخصه الله بعلمه في الغيب، أساطين الإشاعات هم أرباب المعرفة في كل شيء، من الذُرة إلى الذَرّة.
الغريب أن الواحد منهم لا يتردد بعد ساعة كاملة من قذف «المحصنات الغافلات» بالإشاعات وقذف الناس بالحجارة، لا يتردد مطلقاً عن القول: «كفاية.. غيبة ونميمة.. وكلام في الناس لا يقدم ولا يؤخر» فيرد عليه نديمه: « لسنا بمصلحي هذا الكون» فيجاوبه الأول: «ما عليش.. دع الخلق للخالق» فيطرب الآخر: «يا أخي.. اللسان ما فيه عظم» وهكذا يعودان إلى ما بدأ فيه من نهش وهشم لحوم الآخرين.
ضمير هؤلاء يصحو لحظة، ثم يغفو ساعة، ثم يصحو من جديد، بعد أن يجد فريسة طازجة، هذا حال مروجي الإشاعات، نجوم وكالة أنباء «سمعتم.. ألم أقل لكم!».
إنها ثرثرة السهر في الليالي البريئة وغير البريئة، وثقافة «اللي بالي بالك» الفضائية، بعد كف البحث عن الحبيبة السمراء أو الشقراء، معذبة البراحة، وغزال الحوش، ودانة البحر، ومترو الأنفاق، وسولعي البر، وفلي العين، هؤلاء المعذبات الوهميات جغرافياً هن في حقيقتهن «واحد سهْيّر، نمريد» بامتياز خلف كنترول المراقبة في هذه المحطة الفضائية أو تلك! يضحك على فلان ليرسل رسالة قصيرة إلى فلانة، ويضحك على علانة لتبادل علان رسائل الشوق والغرام، وكأنه من الجوارح أو الكواسر أو نمر بن عدوان، هؤلاء «الندماء» الساهرون على «التشات» مصدر«موثوق» و«مطلع» من مصادر الإشاعة أو الشائعة التي تعتمد أحياناً على ثقافة السوق من مبدأ «اللي تكسبه إلعبه» وهذه تتجلى في إشاعات أسواق الأسهم والعقارات، وبعض الكتابات الأسهمية الموجهة، وسوق العقارات والأراضي، والرياضة، والوظائف و«التفنيش»، ويختصرون المشوار بجملة «خله يولي.. هذا أصلاً هذا حرامي وسرّاق»، ولو أن المسكين سجادة الصلاة معلمّة في جبهته، ويخاف من ظله ومن الشرطة، ومن «الفنش» ومن التسفير، ومن أن ينقطع رزقه، ورزق العيال وأمهم!
كم ثرثرة في الليل، انشق عنها الصباح بكلام مباح، وآخر غير مباح، وأحزنت قلوباً وأدمعت مقلاً، وعبثت بأوطان، وأثخنت جراح الراعي والرعية، وظلت تحوم من بيت إلى بيت!


