تفتح دولة الإمارات صفحة جديدة في مسيرة العمل الوطني، مع إنشاء «الهيئة الافتراضية بإدارة المجتمع»، بمبادرة تعكس رؤية تستثمر في الإنسان، وتمنحه مساحة أوسع للمبادرة والابتكار وتحمل المسؤولية.
وبتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، جاء قرار إنشاء الهيئة، الذي أصدره سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتعيين سمو الشيخ زايد بن محمد بن زايد آل نهيان رئيساً لها، ليؤسِّس نموذجاً مختلفاً في الإدارة الحكومية، قوامه المشاركة المجتمعية، وتوظيف الكفاءات الوطنية في ابتكار الحلول والمشاريع ذات الأثر المستدام.
ما يميز هذا النموذج أنه لا يكتفي بدعوة المجتمع إلى إبداء الرأي أو تقديم المقترحات، بل يذهب إلى خطوة أكثر عمقاً، تتمثل في إسناد الإدارة التنفيذية دورياً إلى أفراد من المجتمع، وفق ضوابط ومعايير تضمن الكفاءة والاستمرارية. إنها فرصة لتجديد الأفكار، وتبادل الخبرات، وإتاحة المجال أمام الشباب والمهنيين والأكاديميين وروّاد الأعمال والمتقاعدين، كي تتحول خبراتهم إلى قيمة مضافة لمسيرة التنمية.
وهنا تتجلى أهمية الفكرة، فالكفاءات الوطنية ليست محصورة في موقع وظيفي أو مؤسسة بعينها، بل تمتد إلى المجتمع بكل تنوعه. وقد تكون لدى شاب فكرة مبتكرة، أو لدى أكاديمي معرفة متخصصة، أو لدى متقاعد خبرة تراكمية قادرة على معالجة تحدٍّ قائم. وعندما تتكامل هذه الطاقات ضمن إطار مؤسسي مرن، تصبح المشاركة أكثر من شعار، وتتحول إلى ممارسة عملية تنتج حلولاً قابلة للتطوير والاستدامة.
ويستند هذا التوجه إلى نهج الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي جعل الإنسان محور التنمية، وآمن بقدرات أبناء الوطن، وأرسى ثقافة المسؤولية والعمل والعطاء. كما ينسجم مع مستهدفات مئوية الإمارات 2071، وتطلعات الدولة إلى تطوير نماذج حكومية تواكب المستقبل، وتتيح التجربة والابتكار، وتتعلم من الممارسة.
ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة، عبر وضوح الأدوار، ودقة اختيار الكفاءات، وقياس الأثر، وضمان انتقال المعرفة بين الفرق المتعاقبة. فنجاح التجربة لا يقاس بحداثة نموذجها وحدها، بل بما تقدمه من حلول نافعة، وما تتركه من أثر مستدام في حياة الناس. «إدارة المجتمع» ليست مجرد صيغة إدارية جديدة، بل دعوة إلى توسيع دائرة المسؤولية الوطنية، وترسيخ شراكة تجعل كل صاحب كفاءة قادراً على الإسهام. وفي الإمارات، حيث تتجدد الطموحات وتتسع آفاق المستقبل، تظل الثروة الأهم هي الإنسان، حين يُمنح الثقة والفرصة والمساحة ليصنع الفرق.