وأنت تقرأ في الرسائل، تبادرك اللغة، بمفردات، مثل الرموش تغطي مساحة شاسعة، في المقل، وفي الجمل باحات من وجد، وجد، ووجود، يتخايل بين الفواصل مثل غزلان مترعة بعشب الهوى والجوى، أبيات تخيط معطف الأشواق بأهداب لها في الزمان ذكريات وفي الذكريات تنثني المشاهد والوجوه والصور، عاتيات، شيقات في المعاني، ثيبات في المعطى، في زحمة الأيام تترادف النماذج والأمثلة، تلك هي المسألة وتلك الأسئلة، في الوجود علامات وزلزلة وابتسامات تخوم التضاريس تمنحنا بهجة، تمنحنا لغتنا المتواصلة، تمنحنا قدرة على صنع الفواصل، وبديع الكلمات في الذائقة كأنها الفناجين ورائحة الهيل، والزعفران ذهبي، وفي مهج العشاق يكون للفنجان شكل من رجع الصدى لأحلام تبنت في الزمان ترف العطاء ورخاء الأسئلة.
وها نحن نقرأ الرسائل، هدايا من صميم الأرض من عمق الماء وركابنا ماضية، تدفع الكلمات فراشات بطعم الملح وذائقة العشاق تشتق من رحم التراب من اليباب والخضاب، سيان هو الطعم يأتيك بألف..ألف لسان، وشفة، تمنحك شكل الحلم ينبت سنبلة، من رحيق الزهر، يرتشف العمر.
وهذه الرسائل، في مرايانا وجه من وجوه لا تنتمي إلى الملح بل منه تخلق الأشياء الجميلة ومنه تتشكل زعانف وتكبر في عيوننا شيم وقيم، وتكون الحكاية مفتوحة على المدى، نكون نحن رايات بيضاء من غير سوء، نكون كما هي النواصي على جباهنا ترتسم الصورة، وفي الكفوف عرق ونسق وألق وشفق، في الكفوف الخضاب، والألباب، في الذهاب، والإياب، قافلة لها السر كنف، وفي ختام الأيام تزهر في حقول أفراحنا رسائل، وهدايا ترتع من فيض المعطى، من روض. 
وهذه سيرة، هذه نقطة البدء في حكاية لا نهاية لها والبداية أمدية، في ضمير العشاق، سرمدية في نواياهم، وها نحن نحلم ألا نكون عشاقاً ولكن العشق سهم من سحيق الدهر يحفر في تراب الأولين والآخرين، لأنه لحن أزلي، وفن له ذائقة العشاق جياد إذا مرت على ينبوع، وينوع ما ساورها الظن بأنها لن ترتوي، لأن للجياد حاسة ولعيونها ريق التألق والانتماء، إلى قبيلة النجباء، وأن نستجيب للرسائل، ونكون ضارعين، فهذه سمة من في نفسه لوعة الكتابة ورمق الكلمة وشيء آخر، لها في الوعي مهارة، وفي اللاوعي جدارة في تهذيب المشاعر، بحيث تصبح على الصفحات عصافير تهجو الليل إن جاء، وتبقي القمر، تبغي الشمس كي تكشف أجنحتها من رائحة الليل، من سكون الشجر. 
ونحن نتهجى حروف الرسائل تداهمنا المعاني بورطة لذيذة لننتشي وتنهض في داخلنا جياد تعشق جمال الكلمة، ونمضي.. نمضي ونحن في تمام اليقظة، نحن في اللحظة الباقية من زمن القصيدة، نكتب ما تناثر من كلمات على تراب الأشواق الآفلة.