سامي عبدالرؤوف (الشارقة)
أكد الفريق عبدالله مبارك بن عامر - القائد العام لشرطة الشارقة - خلال إحاطة إعلامية عُقدت ظهر اليوم في مدينة الشارقة للإعلام «شمس»، أن الدعم والرعاية والمتابعة المستمرة التي توليها القيادة الرشيدة والتوجيهات السامية لتعزيز الأمن والاستقرار وتمكين المؤسسات الشرطية والأمنية من القيام بمسؤولياتها وأداء رسالتها بأعلى مستويات الكفاءة والجاهزية، شكّلت ركيزة أساسة في ترسيخ منظومة أمنية قادرة على مواكبة المتغيرات والتحديات وتعزيز أمن المجتمع واستقراره.
وأضاف سعادته أن هذه الجهود تأتي امتداداً لمنظومة العمل الأمني المتكامل على مستوى الدولة، تحت مظلة وزارة الداخلية، وفي ظل الدعم والمتابعة الحثيثة من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، وحرص سموّه على تعزيز كفاءة الأجهزة الشرطية وجاهزيتها، وتطوير قدراتها في إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة، ودعم منظومة العدالة الجنائية، بما يعزّز قدرتها على التصدي لمختلف أشكال الجريمة، لا سيما الجرائم الإلكترونية المستحدثة والمنظّمة والعابرة للحدود، ترجمةً لتوجيهات القيادة الرشيدة في ترسيخ أمن المجتمع وحماية مقدراته، وتعزيز مكانة دولة الإمارات نموذجاً رائداً في الأمن والاستقرار.
وأشار الفريق ابن عامر، إلى أن إدارة مكافحة الجرائم الرقمية بالقيادة العامة لشرطة الشارقة كشفت البنية التحتية والخفية للتنظيم بالغ التعقيد، الذين اتخذوا من أعماق الفضاء الرقمي موطناً لأنشطتهم، حيث تتوارى عملياتهم خلف طبقات سرية ومشفّرة، ويتنقّلون عبر شبكات ومنصّات ذات حلقات مغلقة، لا ينفذ إليها إلا المنتمون إليها، بعيداً عن أعين جهات إنفاذ القانون، وفي العلن، حرصوا على الظهور بمظاهر الثراء، متنقلين بين العواصم، ومستعرضين حياةً مترفة تُخفي خلفها منظومة تُدار بخفاء، حتى بدوا وكأنهم رجال أعمال ومستثمرون، بينما كانت أنشطتهم غير المشروعة تمتد عبر الدول.
وكشف القائد العام لشرطة الشارقة، عن تفاصيل واحدة من أعقد العمليات الأمنية العابرة للحدود على مستوى العالم، والتي أُطلق عليها اسم «نهاية معركة - END OF BATTLE» وأسفرت عن تفكيك أربع شبكات إجرامية دولية مترابطة ومتخصصة في الجرائم الإلكترونية المنظمة، وغسل الأموال عبر الأصول الافتراضية، وسرقة المحافظ الرقمية، والاحتيال والابتزاز الإلكتروني عبر عمليات الهندسة الاجتماعية، والاتجار بالبيانات المخترقة عبر شبكات الإنترنت المظلم، إلى جانب ارتكاب اعتداءات عنيفة، مسخّرين بذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ أنشطتهم الإجرامية، حيث أسفرت العملية عن ضبط عناصر الشبكات البالغ عددهم (33) عنصراً من (12) جنسية مختلفة، وإلقاء القبض على رؤوس تلك الشبكات، الأمر الذي أسهم في حفظ وحماية أكثر من (30) شركة ومؤسسة حول العالم وتأمين أصول قُدرت بأكثر من (65) مليار درهم، والحد من تداعيات اقتصادية محتملة كان من شأنها التأثير في أسواق الأصول الرقمية عالمياً، كما بلغت قيمة المبالغ المصادرة أكثر من (200) مليون درهم، وإخضاع أكثر من (3) آلاف محفظة رقمية للتدقيق والتحقق. وأكد أن حماية المجتمع وصون أمنه سيظلان أولويةً راسخة لدى الأجهزة الشرطية بدولة الإمارات العربية المتحدة، وأن كل من يحاول استغلال التقنيات أو الوسائل الرقمية لارتكاب الجرائم، أو المساس بأمن الأفراد واستقرار المجتمع، سيواجه منظومةً أمنيةً يقظة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرات المتقدمة، ولن تدخر جهداً في تعقّبه، وضبطه، وتقديمه إلى العدالة، بما يكفل حماية المجتمع وترسيخ سيادة القانون.
النيابة العامة
ومن جانبه، أوضح المستشار أنور الهرمودي، النائب العام لإمارة الشارقة، أن تحقيقات النيابة العامة كشفت عن تنظيم إجرامي عابر للحدود، تتكامل فيه الأدوار الإجرامية، بدءاً من الاستيلاء على أموال الضحايا عبر عمليات الاحتيال والاختراق الإلكتروني، مروراً بإخفاء مصادر الأموال غير المشروعة وطمس مساراتها، وصولاً إلى تحويلها إلى ممتلكات واستثمارات لإضفاء صفة المشروعية عليها، مشيراً إلى أن قيمة الأموال محل جرائم غسل الأموال بلغت (8,825,381,741.50) درهماً، جرى تمريرها عبر حسابات مصرفية ومحافظ رقمية ومنصات متعددة، باستخدام شركات ووسطاء لتمويه مساراتها.
وأضاف أن خطورة القضية تكمن في ضخامة الأموال المتداولة، ودقة التنظيم الإجرامي، وسرعة نقل المتحصلات عبر الحدود، الأمر الذي يزيد من تعقيد عمليات تتبّعها، ويتيح توظيف عائدات الجريمة داخل الاقتصاد تحت غطاء المشروعية
وأردف المستشار الهرمودي قائلاً: أن التحقيقات أظهرت مساراً مترابطاً يبدأ باستدراج الضحايا واختراق حساباتهم والاستيلاء على أموالهم وأصولهم الرقمية، ثم تمرير المتحصلات عبر حسابات مصرفية ومحافظ رقمية ومنصات دولية، وصولاً إلى استثمارها في العقارات والسيارات الفارهة والساعات الثمينة والمجوهرات، وقد زادت سرعة انتقال الأموال وتوزّعها عبر دول متعددة من تعقيد تتبّعها وتحديد المستفيدين الحقيقيين منها.
وأوضح أنه للكشف عن التنظيم الإجرامي وتتبّع متحصلاته، باشرت النيابة العامة تحقيقاً قضائياً ورقمياً ومالياً متزامناً، من خلال فريق دَرس أكثر من (10,000) مستند وتقرير، وباشر (142) محضراً وجلسة تحقيق، وأصدر (385) قراراً و(478)أمراً قضائياً، مع فحص (103) أجهزة إلكترونية. وشملت القضية (33) متهماً، بينهم (6) أشخاص اعتباريين، وتعدّدت جنسيات المتهمين لتشمل (12) جنسية. وامتدت الإجراءات إلى (12) إذن تفتيش، و(109) طلبات بالتنسيق مع وحدة المعلومات المالية، و(8) طلبات وإجراءات تعاون دولي، إلى جانب التنسيق مع الجهات القضائية والأمنية والفنية والرقابية، لكشف الأدوار وتتبُّع حركة الأموال وتجميد الحسابات والوصول إلى الأصول المرتبطة بالمتهمين.
وأسفرت الإجراءات عن ضبط ما يربو على (200) مليون درهم إماراتي، وضبط وحجز (17) سيارة فارهة، و(29) ساعة ثمينة، ومجوهرات، وفيلا سكنية، وفلتين قيد الإنشاء، وأرضين سكنيتين.
كما أسفر التفتيش عن ضبط محافظ رقمية باردة ومواد مخدرة وعملات مزيفة وأدوات تزييف.
منظومة إجرامية متكاملة
وفي سياق متصل أوضح سعادة اللواء عمر أحمد بالزود - المدير العام للإدارة العامة للأمن الجنائي والمنافذ - أن التنظيم لم يكن يعتمد على نمط إجرامي واحد، وإنما على منظومة إجرامية متكاملة، توزعت فيها الأدوار بين أربع شبكات مترابطة، تولت الأولى تنفيذ عمليات الاختراق الإلكتروني وسرقة البيانات، واختصت الثانية بغسل الأموال عبر الأصول الافتراضية، فيما اضطلعت الثالثة بعمليات الهندسة الاجتماعية وسرقة المحافظ الرقمية، بينما نفّذت الرابعة اعتداءات جسدية عنيفة استهدفت إكراه الضحايا على الإفصاح عن الأرقام السرية لمحافظهم الرقمية، أو تهديدهم وإيذاء ذويهم، وذلك في عدد من الدول، وأسهم هذا التقسيم الدقيق للأدوار في بناء منظومة عابرة للحدود، مكّنت من استهداف أفراد وشركات ومؤسسات، مع الحفاظ على تماسك هيكله وصعوبة كشف بنيته أو الوصول إلى قياداته.
وأشار إلى أنه من خلال جمع الاستدلالات وتتبُّع المحافظ الرقمية الخاصة بالمتهمين والبحث في المصادر المفتوحة، تمكّن الفريق من كشف تورط عدد من المتهمين بجرائم دولية، وأعمال عنف وتهديد بالتعاون مع عصابات إجرامية.
خطة دقيقة لضبط الجناة
وفي استعراضه لتفاصيل العملية كشف العميد الدكتور خليفة يوسف بالحاي - مدير مديرية التحريات والتحقيقات الجنائية - بشرطة الشارقة، أن الأجهزة الأمنية المختصة تتبعت خيوط الشبكة الإجرامية واستمرت بتحليل تحركاتها، إلى أن تمكنت من الوصول إلى أحد أفرادها وهو حدث لم يتجاوز السن القانونية، حيث عُثر بحوزته على محفظة رقمية تحوي مبالغ طائلة، وأظهرت التحريات ارتباطه بعناصر دولية متخصصة في سرقة المحافظ الرقمية، ليتبين أن نشاطه يمثّل امتداداً لعمليات إجرامية تُدار عبر قنوات اتصال تمتد عبر عدة دول، كما كشفت الاستدلالات عن قيامه بدور مهم في غسل الأموال عبر الأصول الافتراضية لصالح متورطين في جرائم الاحتيال والاختراق والابتزاز الإلكتروني.
وأشار إلى أنه من خلال عمليات الرصد والتحليل المتواصلة، وجمع الاستدلالات، تم التوصل لحلقة الوصل الأهم بين الشبكات الإجرامية، حيث تبين تورطه في جرائم اعتداء وخطف وسرقة محافظ رقمية، وحيازة وبيع البيانات المخترقة عبر الإنترنت المظلم، فضلاً عن ارتباطه بعصابات دولية تنشط في جرائم الاختراق والابتزاز والاحتيال الإلكتروني. وأضاف مدير مديرية التحريات والتحقيقات الجنائية أنه وبخطة أمنية مُحكمة، ومع اكتمال الصورة واتضاح خيوط العملية الأمنية، وضعت الفرق الشرطية خطةً دقيقة لمتابعة المشتبه به وإلقاء القبض عليه، وذلك بعد دراسة متأنية لسلوكياته وتحركاته، لتبدأ مرحلة جديدة من الاستدلالات.
وكشفت التحقيقات أنه كان يخطط لاستهداف أفراد يمتلكون عدداً من المحافظ الرقمية، وذلك بالتعاون مع مجموعة أشخاص من جنسيات أجنبية، ضمن مخطّط إجرامي تضمن اختطاف المستهدفين، إلا أن فريق التحريات، تمكّن من إحباط المخطط، وألقت القبض على المتهم قبل تمكّنه من تنفيذ عملياته.
وأفاد العميد بالحاي أن التحريات تمكنت من كشف عناصر الشبكة وإثبات الروابط التي تجمع بينهم، وتتبع امتدادات أنشطتهم وتحركاتهم، وصولاً إلى تحديد طبيعة أدوارهم ومسؤولياتهم، مبيناً أنها اتسمت بهيكل تنظيمي محكم وتوزيع دقيق للأدوار، وذلك بعد الوصول إلى بؤرة يختبئون بها في أحد وسائل التواصل الاجتماعي أكدت الترابط الوثيق فيما بينهم، الأمر الذي مكّنهم من ارتكاب جرائمهم، وذلك من خلال شيفرة تتغير كل ثمانية ساعات، أمنوا من خلالها محيطهم الإجرامي.