أحمد عاطف
في روايتها «هند أو أجمل امرأة في العالم»، تواصل الروائية اللبنانية هدى بركات حفرها العميق في التجربة الإنسانية المعذّبة، وتعيد طرح الأسئلة حول الغربة والهوية والذاكرة، من خلال جسد أنثوي تحوّل إلى ساحة حرب بين الذات والمجتمع، وبين الجمال كقيمة مُخترعة والقبح كمصير.

تسرد صفحات الرواية حكاية هنادي، امرأة لفظها العالم بعد أن شوهها المرض، ولفظتها أمها بعدما كانت ترى فيها أجمل بنات العالم، إذ أنكرت وجودها حين تحولت إلى مسخ، هذا التشوه الجسدي ليس تفصيلاً بيولوجياً عابراً، بل يمثل رمزاً لانكسار الحلم، وانفضاح الخرافة، والسقوط المدوي لفكرة البيت والملاذ.
توضح هدى بركات، أن الرواية تُخفي سردية موجعة عن الهشاشة والخسارة، فهنادي لا تعود إلى لبنان بدافع الحب أو الشوق، بل لأن العالم الواسع لفظها كما تُلفظ الحيتان النافقة، لافتة إلى أن الرواية تتخذ من الغربة إطاراً وجودياً، وليس فقط مكانياً، فحتى العودة إلى الوطن لا تأتي باعتبارها خلاصاً، بل تكرّس شعور الاغتراب.
وقالت بركات: «كل رواياتي تحصل في لبنان، ولكن يصوغها شخص يطل على لبنان كأنه لا يزال مقيماً فيه، لم يسبق أن نُفيت، لم يمنعني أحد من العودة إلى بلدي، لكنني أحمل هذا الإحساس بالغربة في كل ما أكتب».
وفي أحد أكثر أفكار الرواية تفرّداً، تقابل المؤلفة بين الموتين، موت الأم وموت البنت، كلاهما يعيد تشكيل العلاقة بين الذاكرة والجسد، بين السرد والحقيقة، الأم التي لم تقبل أن ترى ابنتها كما آلت إليه، تُمثل وطناً يرفض الاعتراف بانهياره، ويصرّ على التجميل والإنكار.

العنوان ذاته «هند أو أجمل امرأة في العالم»، يحمل سخرية سوداء من خطاب الجمال، ومن نظرة المجتمعات الشرقية للمرأة، كما يفضح وهم «النوستالجيا» الجماعية عن المدن.
وترى الروائية اللبنانية أن الأبطال الحقيقيين ليسوا هم من يتصدرون المشهد في كبرى المواعيد، مؤكدة أنها لا تكتب عن أبطال يتصدون للتحديات الكبرى، بل عن أولئك الذين يعيشون على الهامش، لأن هؤلاء هم الذين يعكسون الحقيقة.
وبرغم أن رواياتها تُترجم إلى أكثر من 20 لغة، ترفض بركات الانزلاق إلى الكتابة بلغة غير العربية، وتصرّ على أن اللغة ليست أداة فقط، بل كيان شعوري وهوية، قائلة: «أرفض الكتابة بالفرنسية رغم أنني أتقنها جيداً، أنا لا أريد نصاً مختلفاً، بل نصاً يتناغم مع مشاعري وتاريخي».
الحد الفاصل
ترى هدى بركات أن «هند» قد تكون أفضل أعمالها، لأنها تقف على الحد الفاصل بين البشاعة والحياة، وبين البقاء والانهيار، وتقدم شخصية لا تنتصر ولا تُهزم، بل تواصل الوجود فقط بصمت عنيد، تماماً كما تفعل الذاكرة.