الأحد 1 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: الشهادات الإبداعية

د. نزار قبيلات
17 نوفمبر 2025 01:01

حظيتُ في الأمس الأول بالمشاركة في محاضرة قيّمة قُدمت ضمن أعمال معرض الشارقة للكتاب، ضمّت عدداً من المبدعين والأدباء الإماراتيين الذين دعاهم اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في ملتقاه الخاص وضمن أعمال المعرض ذاته، وكان موضوع المحاضرة مُكرَّساً لقضية نقدية قلما التفت إليها الدرس النقدي الحديث ونظرياته، حيث الشّهادة الإبداعية جانب يتعلق بمنطقة الكاتب وخصوصيته التي تتقاطع مع فنّ السيرة الذاتية التي يكشف فيها الأدباء كثيراً مما لم تقله أعمالُهم أو نصوصُهم الفنيّة، فالشهادة الإبداعية اعتراف متأخر فيها يحوم الكاتب حول سياقات نفسية خاصة تتعلق بزمن الكتابة وفرضياته التي لم تُعكَس في حنايا النّص الأدبي، وبالعودة إلى فنّ السيرة الذاتية نجد أن العديد من المنظرين له اعتبروا أن كاتب السيرة الذاتية يقف وحيداً أمام ثلاث مرايا لا يملك حيالها إلا أن يقدم الصراحة والكشف دون تزويق لغوي أو صناعة تغلف نواياه أو مقصوده الفني، فالشهادة الإبداعية اليوم مادة ثرية للنقاد يستطيعون منها تبيّن أهم أسرار الكتابة ودوافعها وملامحها عند هؤلاء، فنحن حين نقرأ الأدب ننحاز للمضمون والشّخوص الورقية ولسِحر اللّغة سواء في الشعر أم النثر، غير أننا أبداً لم ندرك مخاضات الكتابة وصعوباتها في مرحلة ما قبل النّص، علماً أن النقد العربي القديم كان قد ألمح لشعراء الحوليات ولجانب مهم من سير الشعراء العرب وظروفهم التاريخية والاجتماعية والنفسية، لكنّ شهاداتهم الإبداعية ظلت مطويةً في ثنايا كتب السير والأعلام والتي لم تصدر عنهم صراحةً.
اليوم تدرّس الشهادات الإبداعية وتلقى ذلك الاهتمام اللازم في ورش الكتابة الابداعية وفي منصات التتويج، ومعها يتعرّض الأدباء للحكم من خلال ظروفهم المعيشية الخاصة، فالقرّاء يتعاطفون مع الشعراء الذين عاشوا في ظروف معيشية صعبة تظهر جانباً من فقرهم وبؤسهم، لكننا نعي أن هذا البؤس أو الفقر ليس بالدافع الوحيد للإبداع، لأن الإبداع ليس مادة لتجميل الواقع ومحو القبح بقدر ما تكون الكتابة فيه مسؤولية تجاه القابع والمحسوس والمدرك، فالكتابة مُطالَبة بالتغيير، وإن بدت جمالاً معنوياً وفناً من الفنون الخمسة، الكتابة تجاوز وحِيلة تُناغي الشروط الذاتية والموضوعية، فالأديب لا يستطيع أن يظل في ذات الجملة والموضوع والنسق، ليصبح خيار قبوله واستحسانه من قبل الآخرين نسبياً وليس ثابتاً وإن نال تلك الشهرة، إذ النقد بدوره مجاز لا يعرف الثبات، بل التحول قاصداً استكمال النصوص والمضي معها، فالنقد مواجهة من دونها لا ينهض الإبداع ولا يستمر، فشكراً لكل القائمين على معرض هذا العام ببهاء وعنوان مختلفين، ولمن دأبوا على إتاحة مثل هذا الاشتباكات الإيجابية والمهمّة في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات.
أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©