ظاهرة المشاهير أشبه ما تكون بالحكاية، وهي حكايةٌ ثقافية من حيث إنها تفاعليةٌ، وكل مشهور أو مشهورة تحيط بهم الشهرة من وجهين، جمهورٌ يعجب وجمهورٌ آخر ساخط، وبين الكتلتين تنبني الشهرة، وكلا الجمهورين يصنع الحدث ولكن السخط هو الأهم لأن السخط أعلى صوتاً، ولهذا فهو أكثر إشهاراً على نقيض مبتغاه في سحق النجم، ولكن نية السحق تنتهي بتسويق المسحوق، ولذا فالإعجاب والسخط معاً جوهريان لبناء الشهرة، ومن اللافت أن السخط يتجه أيضاً ضد المعجبين ولا يكتفي بالنجم وحده، وكأنها حالةُ لومٍ للجمهور الذي كسر القاعدة الذوقية المرسومة مسبقاً والمستقرة، ويتصاعد اللوم لدرجات وصف الجمهور بالتفاهة، من باب تسطيح ذوقهم وتسفيه موقفهم، مما يجعل المشاهير حكايةً تسري مسار الحكايات من حيث كثرة الأحاديث عنهم وهذا هو أقصى مبتغيات تحقيق الشهرة.
ونستدعي هنا أحد عناصر التراجيديا، حيث يصدق على المشاهير قول الشاعر (إذا أنت لم تنفع فضر فإنما/ يراد الفتى كيما يضر وينفع)، والمشاهير لا يبالون بإحداث الضرر على أنفسهم قبل غيرهم، فهم يقترفون مثلاً تعريض أجسادهم للخطر مثل صناعة التجميل والتدخل في خلقة الإنسان مهما كانت الأضرار المحتملة للعمليات، فقط ليظهروا بالمظهر الذي يجذب مزيد متابعات ويسهل لفت النظر.
ولا بد من ربط هذه الحالة بمعنى الرأسمالية، فالغاية المطلقة لهؤلاء هي كسب المال، والكسب بالمعنى الرأسمالي لا يتم إلا بالصرف، وكلما صرفت فتحت أبواباً لتحريك المال ومن ثم تحريك الفرص، وشرط الرأسمالية حسب مفهوم الليبرالية الجديدة هو (الجشع والطمع والأنانية)، وهذه حسب نظرية السوق الحر هي التي تدفع لدخول السوق، ومن ثم ترفع نسب المضاربات والهوس بمزيد من المال (للتفصيل كتابي الليبرالية الجديدة). وهذه سمات تتكشف عند المشاهير حسب قصصٍ ظهرت في الإعلام عن مشاهيرَ ضخموا أرقام مكاسبهم من الإعلانات، وتبين بعد ذلك أنهم غير صادقين، وهم فعلوا ذلك لأن تضخيم الرقم يتيح لهم فرص مزيد من الجذب ومن ثم ترقية المداخيل.
وأحد عناصر بنية الشهرة هو وجود وسائل قادرة على النشر الواسع والسريع مصحوباً بهوس الربحية، ولو نزعنا هذين العنصرين (النشر الواسع والربحية) لانهارت الشهرة، أي أنها بنية تسويق ربحية (رأسمالية)، ولم يك ظهورهم متاحاً لولا وجود وسائل التواصل التي تدار فردياً، ولا سلطة عليها غير صاحب الحساب الذي هو السلطة المطلقة، ليس على الحساب فحسب، بل على المعلومات وعلى نظام السلوك والتعبير، ونجد لديهم خطاباً مشتركاً له خصائصه وأسلوبياته من حيث لغة الجسد وشكل الجسد وشروط الظهور ومفردات اللغة التي لابد أن تكون بسيطةً ويوميةً وسوقية (بمعنى لغة السوق)، وكذلك بمعنى الإثارة والغرائبية ولا تبالي بقلة الأدب مما يسهل تسخين رد الفعل، وهذه أسلوبيات تحمل إغراءاتها الخاصة بعلامة وجود من يتقبلها ويستمتع بها ومن ثم يسهم في نشرها بكل وسيلة متاحة للأفراد، وتكتمل الحبكة بدخول الجمهور بشقيه إعجاباً أو تسفيهاً وهنا تتصنع الحكاية.
هذا مظهرٌ من مظاهر صناعة الصيت، ومن ثم أصبح الصيت هو الغنى تحقيقاً للمثل (الصيت ولا الغنى)، إذ تحققت الدلالة لتقول إن الصيت هو جالب الغنى، وما الصيت إلا شهرةٌ اهتمت بها الثقافة من قبل وجعلتها أهم من الغنى بما أنه رأسمال معنوي يجلب مالاً حقيقياً.
بقي أن أشير إلى حال الإعجاب بهم، وهو إعجاب يشير إلى وجود متعة لها صفة التموج مثلما تعجبنا نكتةً عابرة، والمتعة المتموجة هي خاصية ثقافية تتسق مع عصر السرعة وهي التي تجدها الجماهير مع هبات المشاهير بوصفهم نكتةً ثقافية تتسارع مثل تسارع كل شيء في زمننا هذا، وتتغير بسرعة تماثل حال ظهورها، ولقد جرى مثلاّ تحويل أغاني أم كلثوم إلى مقاطع قصيرةٍ وهذا ترجمةٌ لحالة التموج الذي أصبح سمةً عصريةً حتى مع تقلبات السياسة والاقتصاد والفكر وكل شيء في سلوكنا المعاشي.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض