السبت 31 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: حرية القتل أو الحرية المأزومة

د. عبدالله الغذامي
31 يناير 2026 01:20

تتكشف العلاقة بين حرية القتل والحرية الديمقراطية في السلوك الأميركي الذي أصبح مزمناً، ففي الدستور فقرةٌ تنص على حق كل أميركي بتملك سلاحٍ للدفاع عن النفس، وهذه عبارة معقولةٌ بما أنها تمس حق الذات في وجودٍ آمنٍ مع تحصنها ضد أي خطر يمسها مباشرةً، ولكن الذي جرى هو استغلال هذه الفقرة لتوسيع دوائر حقوق تملك السلاح ليصبح وكأنه حقٌّ مطلقٌ في القتل. واستغلت تجارة السلاح هذا المدخل ونشأت سوقٌ رأسماليةٌ ضخمةٌ في تجارة السلاح الذي انتهى بأن يقتل الناس بعضهم بعضاً في المدارس والكنائس وفي الشوارع والمطاعم قتلاً عشوائياً لا يبقي ولا يذر، وهو سلاح دستوري نشأ عن حق دستوري وكأنه استعادة لحادثة قتل سقراط الذي قتلته الديمقراطية بالتصويت الذي بلغ خمسمئةٍ من المحلفين كلهم صوتوا بإدانة سقراط بأن أفكاره تفسد عقول شباب أثينا، وهذا ما سبب كفر أفلاطون بالديمقراطية وطرح فكرته عن الفيلسوف الحاكم وأن العقل يحكم وليس الرعاع، وتعني المستبد العادل.
على أن حرية التعبير وحرية التفكير تحولت من كونها وسيلةً لجعل الصوت يأخذ معناه الكلي في صناعة نظام المعاش بين الأفراد وبين الفرد والدولة، ومن هنا تتصنع الحقوق بمساواةٍ وعدلٍ مع تحقيق تطلعات الكل في حياة رخية وآمنة. لكن حق التفكير والتعبير تحول من اللغة الطبيعية إلى لغة تدميرية عبر الرصاص وتصفية المختلف، وما هو أشد أن  أصبح الرصاص لغةً احتجاجيةً تعبر عن الذات، وتحول غضبها من المجتمع والناس إلى قتل بدمٍ بارد مع رخاوة في فرض النظام، وظهور حيل لا حد لها على تفسير الأنظمة بمنتهى الانتهازية والانتقائية.
وفي الحادي عشر من سبتمبر 2025 وقعت حادثة اغتيال شارلي كيرك وهو اغتيالٌ سياسي لخلاف في الاتجاهات السياسية مما فجر مخازنَ الغضب الشعبي الأميركي الذي ظل يتأجج مع حوادث القتل في الشوارع والمدارس وبصور مقصودةٍ ومرتبةٍ وأخطر من ذلك هي الصيغ العشوائية من دون أسباب ولا معنى لها غير القتل. وجاء ذلك اليوم ليفجر  غضب حاكم ولاية يوتاه، وترجم غضبه بكلمة قوية حول حال الولايات المتحدة، حيث صرخ يقول (أمتنا مكسورةُ وقلوبنا محطّمةٌ، وعلينا أن نسأل أنفسنا: هل هذا ما وصلنا إليه بعد 250 عاماً، وهل هذا هو مصير التجربة الأميركية، لقد شهدنا اغتيالات سياسية مؤخراً في مينيسوتا، ومحاولة اغتيال حاكم ولاية بنسلفانيا، ومحاولة اغتيال مرشح رئاسي ورئيسٍ سابق للولايات المتحدة، وهو الآن رئيسها الحالي. ولا شيء مما أقوله الآن يمكن أن يوحدنا كبلدٍ ولا شيء يمكن أن يُصلح ما انكسر. وبلادنا بحاجة ماسة إلى قادة لكننا بحاجة أكثر من القادة. نحتاج أن يفكر كل فرد في هذا البلد أين نحن الآن، وإلى أين نريد أن نذهب وعلينا أن نسأل أنفسنا: هل هذا ما وصلنا إليه بعد 250 عاماً، هل هذا هو مصير التجربة الأميركية…!!) .
وهذا خطاب يعري انكسارات المعاني ويكشف عن مهارة البشر في إنتاج الأفكار الراقية والفلسفية العالية، وفي الوقت ذاته يترجم البشرُ الأفكار إلى سلوكٍ مدمر، وكما يستطيع الإنسان أن يصنع أرقى القوانين وأرقى الاجتهادات، ويطلق أعظم الحِكم فهو أيضاً يبتكر الحيل (المنطقية أيضاً) لكي يحرف المعاني ويحولها من الجميل إلى القبيح، وتتحول الحرية من قيمةٍ عليا هي أهم معاني الإنسانية إلى حق في القتل فقط لخلافٍ حول نظرية ما أو فهمٍ ما، وتحل الرصاصة محل الكلمة، والأشد إسكاتاً هو الذي يسود في النهاية حيث قتلت الديمقراطية سقراط وتظل تقتله جيلاً بعد جيل.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©