السبت 24 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. عبدالله الغذامي يكتب: الندرة اللغوية الثقافية

د. عبدالله الغذامي يكتب: الندرة اللغوية الثقافية
24 يناير 2026 02:03

من أهم أبواب اللغة هو باب الصفات، ولا تكون الصفات إلا عبر ندرتها ولولا ندرة الشجاعة مثلاً لما كانت صفة فخرٍ أو مادةً للمديح والتنافس. ومن هذا الباب دخل أبو تمام لقراءة الثقافة الشعرية العربية، وجعل باب الحماسة أوسع أبواب كتابه عن الشعر، وجعل الحماسة مادة أولية للكتاب وعنواناً له، وكذلك فعل الجاحظ في كتابه (البخلاء)، حيث التقط البخل من حيث هو صفةٌ تدخل من باب النوادر، وتتبع من اتصفوا بها وجمع قصصهم لتعزز صفتهم التي رآها تجري عليهم باستحقاق يعزز موقفه الثقافي. وهذا يكشف عن حذاقة في الجاحظ ميّزته وصنعت منه مثالاً نادراً في التأليف وجمع المتناقضات، فهو من كتب عن المهمشين كما كتب عن النخب العليا، وقدم الأعراب ليجعل طرائفهم مادةً تعتد بها الثقافة وتحيل إليها وتهذب بها أذواقهم، وتتجمل بها أحاديثهم في السمر وفي المحاورات، ومثله المبرد عن تكاذيب الأعراب، وقد بنيت عليها بحثاً عن جماليات الكذب جعلته فصلاً في كتابي (القصيدة والنص المضاد) بما أن فن التكاذيب فنٌّ من أدق فنون السرديات وبلاغيات اللغة والمتخيل، وأراه فناً قائماً بشرطه المفاهيمي ونوعه الأسلوبي، وكل ذلك يأتي عبر قراءة الحس التأليفي عند كبار نقاد العصر العباسي بحذاقتهم النادرة وشجاعتهم المعنوية في كسر طبقيات التفكير النخبوي، حيث نظروا للمغفول عنه والذي سيسميه بعضنا بالتافه حسب شتيمة هذا الزمن بما أنها حالة طردٍ وإقصاء لما لا يتسق مع شرط النخبوية.
    ورغم فخامة تخصص المبرد في علم اللغة ووصفه لكتابه بالكامل وهو وصف طبقي استعلائي، لكنه كسر الغرور التخصصي، وأتى بالطريف والعجائبي، وكما يأخذون مرجعياتهم الأولية من البادية ويرونها الفصحى التي يحتج بها وهي دليل الفصاحة والنقاء الثقافي، لكن الجاحظ والمبرد معاً لم يقعا بالعمى الثقافي، ونزلا للواقع التي تعيشه ثقافة الناس حتى من الجواري والعبيد وغيرهم من عينات بشريةٍ واقعيةٍ، ولها فاعليتها في صناعة الذائقة الأدبية والمادة الأسلوبية. ومن الضعف تتفتق القوة، فالماء أضعف من الصخر، ولكن لا يفتت الصخر المتصلب غير الماء الضعيف السائل، وهذه من أهم سلوكيات اللغة حين تكسر فصاحتها بشعبيتها وتزين جدها بهزلها، ومن ثم يتميز أصحاب الفكر النادر حين يرون ما لا يرى الشاهقون، ولذا برز الجاحظ والمبرد وحققا ما لم يحققه أهل عصرهما بالوقوف على المسكوت عنه، كما وقف أبو الفرج الأصفهاني على سمر ليالي بغداد وصنع منها مدونةً خلدت ذاكرة أمة اندثرت وبقي أثرها فرأينا عبره شعر العرب يدخل مع سرديات تجمع الحكي والطرب وقصص الفحول، ومثله كتاب ألف ليلة وليلة الذي سجل ذاكرة النساء وخلد وجدان من كن في محابس الظلام، فخرجت حكاياتهن لضوء نهار الثقافة. وهذه من صفات السلوك الثقافي النادر صفةً وجوهراً.
* كاتب ومفكر سعودي - أستاذ النقد والنظرية
/  جامعة الملك سعود - الرياض

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©