الأحد 1 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د.نزار قبيلات يكتب: ألم الكتابة ولذة النّص

د.نزار قبيلات يكتب: ألم الكتابة ولذة النّص
1 فبراير 2026 02:45

في اللحظة التي يتلقّى فيها القرّاء أو المستمعون النص، وحين تبدأ عملية تذوقه وتشريحه بقصد استخراج جمالياته من جوفه أو لنقل من جوانياته، حينذاك يكون الأديب قد قطع العلاقة بينه وبين عمله ذاك، ليكون النص الأدبي أو العمل الفني بذلك قد خرج من يد الأديب متجاوزاً حدود المعامل السرية التي صنع فيها، إلى العلن والعالم، فحينها سيأخذ الجمهور ذلك العمل إلى مستويات وبيئات اشتغال قد لا تشبه البتة تلك البيئة التي خرج منها النص أول مرة للعالم.
 فالمتلقون قد يشعرون بالسعادة والفرح من عمل فني ما: لوحة، أداء حركي، أو رقص، أو شعر، أو نثر، أو تمثال، غير أنهم لم يعرفوا أو لم يتعرفوا إلى الكثير من اللحظات التي سبقت أو واكبت بناء ذلك العمل، فما حدث في لحظة الكتابة سيظل سراً دفيناً؛ إذ إن بعض الأدباء أو الفنانين لا يحب أن يميط اللثام عن تلك اللحظات أبداً وكأنها سرٌ كوني.
 فالأدباء عموماً يخفون عن الآخرين أعراض الكتابة أو الصّناعة الفنية، والسبب هو أن الأديب أحياناً لا يكشف حتى عن كل المعاني التي أتى بها؛ فهو لم يكتب ليكشف نفسه أو يبرز ذاته ومكانته مقابل الآخرين بل كتب ليُجلي الغموض عن الحياة، وكتب وأبدع ليقرّب المسافة بين المعاني وأصحابها، كتب المبدع لكي يتخفف من حملٍ ثقيل ظن أنه غير قابل للتجسيم الفني، إذ الكتابة ليست مرضاً ذهانياً أو انفعالاً بقدر ما هي محاولة من طرف ما، من أجل ملء فراغ ما، وتحسّس مستويات أرفع من الجمالية الأدبية شعراً أو نثراً أو ملمساً.
 في السابق كان التصور يتمثل في أن البؤس ينتج فناً جيداً؛ إذ تعود أصول هذه الفكرة إلى أرسطو على ذمة صاحب كتاب ذاكرة القراءة «البرتو مانغويل»، فالشعراء حتى المشهورين منهم يبدون دائماً في حالة من السوداوية والحزن، غير أنهم في لحظة الكتابة قد يشفون، لكن إلى حين، حيث سعادة الكاتب أو الفنان علاجها الكتابة ما يعني أن ثمة أعراضاً وآلاماً يريد المبدع أن يتخلص منها دون أن يقول إنه وجدها في فنٍّ من الفنون، وفي الوقت ذاته يتلذذ القراء بالنص والعمل الفني دون اعتبارٍ للألم الذي سبب هذه اللذة.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©