هدى إبراهيم الخميس
في أواخر القرن الماضي، صاغَ جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة هارفارد، مصطلح «القوة الناعمة»، موضحاً أهميتها القصوى في قوله: «المصداقية هي أندر الموارد، ففي عصرنا هذا، ليس المهم أي جيش ينتصر، بل أي رواية تنتصر».
وإنّه لَمِنْ مصادر اعتزازنا أن تُحافظَ دولتنا الحبيبة، الإمارات العربية المتحدة، للعام الرابع على التوالي، على موقعها المتقدم، ضمن قائمة أقوى عشر دول عالمياً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026 من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وكما أنّ الحدودَ ليست الأرض، وإن كانت تشيرُ إليها، فإنّ هذا الاستحقاق يجسّد رؤية الإمارات ودورها بتجاوز كلّ الحدود، وهي تربط العالم معاً بالقيم والشراكات، والعمل من أجل الإنسانية، حيثُ جاء نتيجة لتقييم واسع من 193 دولة بمشاركة أكثر من 150 ألف شخصية من قيادات الأعمال وصنّاع السياسات والنخب المجتمعية، وهذا ما يعكسُ قوّتنا الناعمة بما تشيرُ إليه من عطاءٍ وتنميةٍ وتأثير، في إنجازٍ يمثّل نموذج الإمارات التنموي القائم على قيم التسامح والسلام، والانفتاح، حيث احتلت الدولة المركز الثاني في مؤشر العطاء، والثالث في مؤشر التنمية، والثامن في مؤشر التأثير.
حافظت دولتُنا منذ التأسيس، على قوّتها الناعمة، بقيم العطاء والانفتاح التي أرسى دعائمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وبقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يتعمّق الحضور الإماراتي تتويجاً لخمسة عقودٍ من البناء والإنجاز والعمل المتواصل في سبيل ترسيخ مكانة الدولة وريادتها عالمياً بروابط الثقة والاحترام المتبادل، وتعزيز مكانة دولة الإمارات، بالعطاء، والنّماء وقوة التأثير، إنها ثلاثية نجاح الإمارات في ظلِّ التراجع العام الذي تشهدهُ غالبية الدول، وهي لَبِنَةُ تقدير العالم لمنظومتها الملهمة في جميع المجالات: اقتصادياً، اجتماعياً وثقافياً.
في عالمٍ أصبح أكثر تشتتاً وتقلُّباً لاعتبارات القوة والعوامل الجيوسياسية، ها هي الإمارات تؤكّد من جديد على أهمية القوّة الناعمة التي تتخطّى بها كلّ المعوّقات لتحقيق الأهداف السامية، خدمةً للإنسانية، وبناء جسور التواصل، في لقاء فكرٍ ووجدان، وروابط وجود. وها هي توطّدُ شراكاتٍ مستدامةً مبنية على ثقافة القيم، والسردية التي تجمعنا، ضمنَ منظومةٍ متكاملةٍ لقوّتنا الناعمة وشراكاتنا الدولية، بما تتّسمُ به من المصداقية والرؤية والنّقاء. يتجلى كلُّ ذلك في منجزنا، وتأثيرنا، ودبلوماسيّتنا الثقافية التي تزدهر بعلاقةِ ثقةٍ عابرةٍ الحدود، بمرونةٍ وإرثٍ راسخٍ لا يتزعزع.
تشارك الإماراتُ العالمَ سرديّتَها، تروي قصصها، عبر الموسيقى والفنون بكلِّ مدارسها، وتبني جمالاً، تأسرُ خيالاً، تعزّز الإبداع وتؤسّسُ فرصاً للتعاون، لأجل نهضةٍ عالميةٍ وتاريخٍ جديدٍ للحضارة. بحكمة الثقافةِ، نبني جسوراً للتواصل لا تنقطعُ، مساحةً تجمعُنا مهما كانت الظروف، وضمانةَ استدامةٍ مهما تقلّبت الموازين، وإرادةَ تضامُنٍ ومحبةٍ وتقديرٍ لا تنكسر.
تكمنُ قدرةَ القوة الناعمة في خدمة الإنسان أولا، بلا مصالح ولا غايات، بكلِّ شفافيةٍ وتفانٍ. إنها تُراكِمُ بصبرٍ، وتبني بالعزم والإصرار، والحضور المؤثّر بأقصى الموارد المتوفّرة والإمكانيات المتاحة، ثقافياً، اقتصادياً وتنموياً.
تتجلّى القوة الناعمة في شفافيّتها ونقائها، لأجلِ رفاه الإنسان، تُعطي من أجل العطاء، تنتجُ لأجلِ الإنتاج، تبني لأجل البناء، دونَ أيةِ مصالحَ أو غايات، تنتج الفنَّ من أجل الفنِّ ذاته، تبني الاقتصاد من أجل الاقتصاد ذاته، تحفّزُ التنمية لأجل التنمية نفسها، إرثاً يتركُ أثراً باقياً، يجمعُ الناس بصدق، ويبني سرديةً خالدةً.
هذه هي مكانة ومسيرة الإمارات، وهذه هي ثقافتنا، ثقافةُ قوّتنا الناعمة، الاستثمار في المستقبل، نداءَ محبةٍ وسلام وحوار مع العالم.
ستبقى قوّة الإمارات الناعمة، مبنيةً على الجهود المتواصلة والكفاح المستمر والتضامن الرائد، أفراداً ومؤسساتٍ، فنانينَ ومبدعينَ، في قنوات حوار مفتوحةٍ ومتجدّدةٍ، تخلق مساحات أُلفةٍ مشتركة تتجاوز اللغة والجغرافيا، بفكرٍ وحداثةٍ وتطوّر.
قوّةُ الإمارات الناعمة حكمةٌ واعية والتزامٌ جاد، جهدٌ صبور وريادةُ عطاء، استثمارٌ في مستقبل الإنسانية.
مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، المؤسس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي