دبي (الاتحاد)
يقدم مركز «تشكيل» معرض «ملاذ عابر»، وهو معرض فردي جديد للفنان والمصمم الماليزي المقيم في دبي شامين شاروم، يستكشف من خلاله المصليات ومساحات الصلاة البسيطة، التي غالباً ما تكون مؤقتة، والتي تنتشر في أنحاء المشهد العمراني لدولة الإمارات دون أن تسترعي الانتباه.
وافتتح المعرض أبوابه في صالة «تشكيل» بند الشبا، مسلطاً الضوء على المصليات الصغيرة التي تحتضنها المستودعات والمحال التجارية والمناطق الصناعية والمباني المؤقتة وأماكن العمل، متجاوزاً الصورة المعمارية الضخمة التي ترتبط عادةً بدور العبادة، ليركز على هذه المساحات المتواضعة التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية في دولة الإمارات.
«بدايات استثنائية»
واكتسبت هذه المساحات أهمية خاصة لدى شامين شاروم بعد انتقاله للعيش في دبي، إذ صادف خلال أيامه الأولى في المدينة مصلى صغيراً وسط بيئة عمرانية تتسم بالحركة والتغير المستمر، فوجد فيه شعوراً غير متوقع بالألفة في وقت كان لا يزال يشعر فيه بالغربة عن محيطه الجديد.
وشكلت هذه التجربة الشخصية نقطة انطلاق لبحث فني أوسع يستكشف قدرة المساحات المعمارية المؤقتة على توفير الملاذ والشعور بالألفة والانتماء، في مدينة تتشكل ملامحها بفعل الهجرة والتحولات المستمرة.
وبدلاً من توثيق هذه المساحات كما تبدو في الواقع، يوظف شامين الرسم والتصوير التشكيلي والنماذج المعمارية المصغرة والدراسات الهندسية بمنظور المحاور المتساوية، لإبراز التفاصيل التي تمنح هذه المصليات طابعها المميز. وتتحول المآذن المرتجلة واللافتات المرسومة يدوياً وأماكن الوضوء المؤقتة وسجادات الصلاة والأشياء اليومية البسيطة إلى شواهد على حضور المجتمعات التي تستخدم هذه المساحات لفترات وجيزة قبل العودة إلى أنشطتها اليومية.

وتستكشف الأعمال الناتجة عن هذه الممارسة الفنية تساؤلاً رئيسياً في تجربة شامين الإبداعية، يتمثل في الكيفية التي يمكن من خلالها لمساحة عادية أو مؤقتة أن تتحول إلى مكان يحمل قيمة وجدانية وجماعية تتجاوز وظيفته الأساسية.
وقال الفنان شامين شاروم: «عندما انتقلت إلى دبي، كنت أشعر بالغربة عن المكان، لكن مصادفتي أحد هذه المصليات الصغيرة خلال أسبوعي الأول في المدينة كانت أشبه بلقاء أحد الأقارب وسط حشد من الناس. ففي تلك المساحة الصغيرة والبسيطة، وجدت شعوراً غير متوقع بالألفة والسكينة، خفف من إحساسي بالغربة».
وتابع: «ومن هنا بدأ اهتمامي باستكشاف قدرة هذه المصليات المتواضعة، رغم طبيعتها المؤقتة، على توفير الملاذ وتعزيز الشعور بالتواصل والانتماء. فلكل منها طابعها الخاص الذي يتشكل من التفاصيل المعمارية المرتجلة والألوان والاحتياجات العملية للأشخاص الذين يستخدمونها».

وأضاف: «وتحمل هذه العناصر البصرية دلالات مألوفة لدى مجتمعات مختلفة، وتخلق روابط بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضاً، من خلال الطقوس المشتركة والذاكرة الثقافية. وكان هذا الشعور بالألفة والتعرف على ما هو مألوف، حتى في مكان غريب، نقطة الانطلاق لهذه المجموعة من الأعمال الفنية».
مساحات عمرانية
ولفت لفنان شامين شاروم أنه على خلاف المساجد الدائمة، غالباً ما تنشأ المصليات التي يتمحور حولها معرض «ملاذ عابر» استجابة لاحتياجات آنية؛ فقد تقام داخل أماكن العمل أو المنشآت المؤقتة، ثم تختفي مع تغير طبيعة البيئة المحيطة بها.
ويرى شامين أن هذه الطبيعة المؤقتة تعكس تجارب العديد من المجتمعات التي تستخدم تلك المصليات، وتبرز أوجه التشابه بين عدم الاستقرار المكاني وتجربة العيش بعيداً عن الوطن وما يرتبط بها من مشاعر الغربة والانتماء. وفي الوقت نفسه، تحمل هذه المساحات عناصر بصرية وثقافية مألوفة لدى مجتمعات مختلفة.
ويشير شامين إلى أن التفاصيل المعمارية والألوان واللافتات والتصاميم المرتجلة التي تميز المصليات في دولة الإمارات تستحضر لدى المجتمعات المسلمة القادمة من جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا صوراً مألوفة من بيئاتها الأصلية، ما يعزز الشعور بالألفة رغم البعد الجغرافي.

«شواهد بصرية»
وتحضر في أعمال المعرض آثار الوجود الإنساني دون تصوير الأشخاص أنفسهم؛ إذ تتحول تفاصيل بسيطة، مثل رف يضم كتباً وعبوات مياه، أو طريقة ترتيب سجادات الصلاة، أو حامل المصحف، أو لافتة غير مستوية تماماً، إلى شواهد على الأشخاص الذين مروا بهذه المساحات واستخدموها. ويصف شامين هذه التفاصيل بأنها شكل من أشكال الذاكرة الاجتماعية، حيث يبقى حضور الناس ملموساً من خلال الأشياء والآثار التي يتركونها وراءهم.
«أبعاد معمارية»
وتشكل خلفية شامين الأكاديمية في الهندسة المعمارية محوراً أساسياً في المعرض؛ حيث درس هذا التخصص في جامعة مارا للتكنولوجيا في ماليزيا وجامعة غرينتش في المملكة المتحدة، ولا تزال ممارساته الفنية تستكشف المدن والمواد والعلاقة النفسية التي تربط الإنسان بالبيئة العمرانية المحيطة به.
وكان شامين قد اختير للمشاركة في «برنامج الممارسة النقدية» الذي ينظمه مركز «تشكيل» لعام 2024، والذي أتاح له مواصلة تطوير ممارساته الفنية متعددة التخصصات في دبي.
وقالت بخيتة غانم، المدير العام لمركز «تشكيل»: «يسلط معرض «ملاذ عابر» الضوء على أحد مكونات المشهد العمراني في دولة الإمارات، التي نصادفها في حياتنا اليومية دون أن نتوقف بالضرورة للتأمل فيها. يتناول شامين هذه المساحات من منظور يجمع بين الهندسة المعمارية والذاكرة والتجارب الحياتية، ليكشف كيف يمكن لأماكن بسيطة ومؤقتة أن تكتسب معاني عميقة وقيمة إنسانية بفضل الاستخدام المتكرر والطقوس المشتركة والروابط المجتمعية. ويجسد التطور الذي حققه شامين من خلال «برنامج الممارسة النقدية» التزام مركز «تشكيل» بتوفير الوقت والإرشاد والمساحة اللازمة للفنانين المقيمين في دولة الإمارات، لتمكينهم من استكشاف الأفكار المستمدة مباشرة من بيئتهم المحيطة وتطويرها».
«ذاكرة الأماكن»
يتجاوز شامين في تناوله للمصليات أساليب التوثيق المعماري التقليدية؛ إذ يعمد إلى تسطيح المنظور البصري، وإعادة تشكيل المباني اعتماداً على الذاكرة، واختزال الأشكال المألوفة إلى أبرز عناصرها التي يسهل التعرف إليها.
وتستلهم نماذجه المعمارية المصغرة تفاصيلها من المآذن والقباب المرتجلة وغيرها من العناصر المعمارية التي رصدها في المصليات المؤقتة. ويستحضر أحد هذه النماذج أول مصلى صادفه شامين في دبي، والذي تم هدمه لاحقاً خلال أعمال التجديد. وفي ظل ندرة الوثائق التي توثق المبنى الأصلي، يتحول هذا العمل إلى دراسة معمارية ومحاولة لاستعادة المكان من الذاكرة في آن واحد.
وفي أعمال أخرى، يستخدم شامين الرسم بأقلام الغرافيت لتجريد المباني من ألوانها وسياقها المحيط، فيما تكشف الأعمال المرسومة بمنظور المحاور المتساوية عن تفاصيل المصليات كما لو كانت صناديق مفتوحة، فتظهر الجدران والأبواب وسجادات الصلاة والأسطح التي غالباً ما تغيب عن الانتباه في مشهد واحد.
وتتنقل هذه الأعمال مجتمعة بين الملاحظة واستحضار الذكريات، لتعكس اهتمام شامين بكيفية اختزال الذاكرة لتفاصيل الأماكن المادية، وإعادة تشكيلها وانتقاء عناصرها عند استرجاعها.
وفي المحصلة، يدعو معرض «ملاذ عابر» الزوار إلى إعادة النظر في التفاصيل المعمارية التي يمرون بها يومياً دون أن تسترعي انتباههم، والتأمل في قدرة المساحات المؤقتة على ترسيخ مشاعر دائمة بالألفة والحضور الجماعي والانتماء.