أبوظبي (الاتحاد)
أكد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، أن دولة الإمارات تؤمن إيماناً راسخاً بأن الأخوّة الإنسانية والتسامح والتعايش تشكّل ركائز أساسية للسلام والاستقرار والتنمية المستدامة، مشدداً على أن هذه القيم يجب أن تكون البوصلة التي توجّه مسارات التقدّم كافة، ولا سيما التقدّم التكنولوجي المتسارع.
وأوضح معاليه أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يحرص على ترسيخ هذه القيم كمكوّن أصيل ودائم في المجتمع الإماراتي، وعلى مشاركتها مع العالم، انطلاقاً من رؤية تؤمن بأن مستقبل الإنسانية لا يمكن أن يُبنى على التكنولوجيا وحدها، بل يجب أن يُوجَّه بالضمير والحكمة والاحترام العميق للكرامة الإنسانية والقيم المشتركة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أداة لتعزيز الأخوّة الإنسانية لا تقويضها.
جاء ذلك في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها معاليه أمس، خلال افتتاح مؤتمر التسامح والأخوّة الإنسانية العالمي، الذي تنظّمه وزارة التسامح والتعايش ومجلس حكماء المسلمين، بالتعاون مع مركز تريندز للبحوث والاستشارات في أبوظبي، تحت شعار «الأخوّة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي»، تزامناً مع الاحتفال باليوم العالمي للأخوّة الإنسانية، وبمشاركة أكثر من 180 متحدثاً دولياً، وحضور ما يزيد على 400 من القادة الدينيين والمفكرين وصنّاع القرار من داخل الدولة وخارجها.
وأكّد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، أن هذا المؤتمر بات حدثاً سنوياً يعكس الفخر والامتنان، ويشكّل منصة عالمية لتقدير قوة التسامح والأخوّة الإنسانية في مواجهة التحديات الكبرى التي يشهدها العالم، مشيراً إلى أن انعقاد دورة هذا العام تحت عنوان «الأخوّة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي» يعكس التحولات العميقة التي تُعيد تشكيل حياة البشر وأنماط تفكيرهم وعلاقاتهم.

الذكاء الاصطناعي
وأشار معاليه إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إعادة تشكيل طرق التفكير واتخاذ القرار وأساليب التواصل، كما أثّرت في نُظم التعليم، وممارسات الشعائر الدينية، وآليات الحوكمة المجتمعية، موضحاً أن هذه التكنولوجيا التحويلية تُعيد تعريف العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والثقافات والدول. وطرح في هذا السياق تساؤلاً محورياً حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعمّق الالتزام بالقيم الإنسانية والأخوّة البشرية، أم سيؤدي إلى تآكلها، وهل سيعزّز التعاطف أو يكافئ اللامبالاة، ويقرّب المجتمعات من بعضها أو يساهم في تفتيتها؟
وأكّد معاليه أن المؤتمر يشكّل فرصة لتوجيه الشكر لصاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، على إيمانه العميق بقيم الأخوّة الإنسانية والتعايش السلمي بين البشر، وجهوده التي تجسّدت في دعوة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وقداسة البابا فرنسيس إلى أبوظبي عام 2019، والتي أثمرت إصدار وثيقة أبوظبي التاريخية للأخوّة الإنسانية.
وأشاد معاليه بدور القيادة الرشيدة في تعزيز القيم الإنسانية المشتركة، وضمان أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس، فضلاً عن ترسيخ مكانة دولة الإمارات كقوة عالمية فاعلة في مجال الذكاء الاصطناعي القائم على المسؤولية الأخلاقية.
تحمُّل المسؤولية
ووصف معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، المؤتمر بأنه دعوة صادقة لتحمّل المسؤولية العملية، حيث يناقش سبل تصميم الذكاء الاصطناعي على أسس أخلاقية، وحوكمته بمسؤولية، واستخدامه بوعي لخدمة التسامح والتعايش والأخوّة الإنسانية، مؤكداً أهمية دور هذه التقنيات في دعم الحوار بين الأديان، ومكافحة خطاب الكراهية، وبناء الثقة الرقمية، والمساهمة في جهود الوساطة وبناء السلام عبر الحدود والثقافات.
كما طرح معاليه عدداً من الأسئلة الجوهرية التي تؤطّر نقاشات المؤتمر، من بينها كيفية تضمين القيم الإنسانية والأخلاقية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز العلاقة بين العلوم الإنسانية والتكنولوجيا، والحفاظ على التاريخ والثقافة والفلسفة والتقاليد الدينية كمصادر أساسية في العصر الرقمي، إضافة إلى سبل منع المنصات الرقمية من التحول إلى أدوات للاستقطاب ونشر المعلومات المضللة.
وأشار إلى أهمية تفاعل المؤتمر مع توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تضع حقوق الإنسان والشفافية والمساءلة والشمولية والإشراف البشري في صميم حوكمة الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذه المبادئ تمثّل أدوات عملية لضمان أن تعمل هذه التكنولوجيا لصالح البشرية جمعاء.
واختتم معالي الشيخ نهيان بن مبارك كلمته بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تشكيل المستقبل، لكن القيم الإنسانية يجب أن تكون هي التي تشكّله وتوجّهه، داعياً إلى أن تخدم الابتكارات الكرامة الإنسانية، ويخدم التقدّم السلام، وتسهم التكنولوجيا في بناء الثقة وتعزيز الروابط التي توحّد البشرية كأسرة إنسانية واحدة.

توحيد الجهود
من جانبها، أكدت معالي عاطفة يحيى آغا، الرئيسة السابقة لجمهورية كوسوفو، أن دولة الإمارات أصبحت اسماً عالمياً مرادفاً للطموح والتعاون، والوعد بأن يكون الذكاء الاصطناعي قائماً على المعرفة والقيم الإنسانية معاً، مشددةً على أهمية توحيد الجهود لمواجهة التحديات العالمية وتحويلها إلى فرص للابتكار والتنمية المستدامة.
وقالت: إن أبوظبي لا تجمع المشاركين لتشخيص التحديات فحسب، بل للبحث عن أدوات عملية تُترجم إلى خطط وابتكارات تُفضي إلى منتج إنساني مشترك، مؤكدة أن القيم الإنسانية ستبقى في صميم وعي الإنسان، رغم تسارع التحولات الرقمية غير المسبوقة.
وقفة أخلاقية وفكرية
وأكد المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، أن القمّة العالمية للتسامح والأخوّة الإنسانية تمثّل وقفة أخلاقية وفكرية ضرورية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يَعُد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عنصراً مؤثراً في تشكيل الوعي وصناعة القرار وبناء العلاقات داخل المجتمعات.
وأوضح أن مجلس حكماء المسلمين يعمل، بالتعاون مع الأزهر الشريف وحاضرة الفاتيكان، على صياغة وثيقة أخلاقية عالمية تنظّم العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والقيم الإنسانية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التقدّم التكنولوجي لا يمكن أن ينفصل عن القيم الدينية والإنسانية المشتركة.

القيم الإنسانية
أكد الدكتور محمد العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن القيم الإنسانية الكبرى لا يمكن أن تبقى على هامش مسار التحول الرقمي، بل يجب أن تكون في قلبه وموجّهاً أخلاقياً لمساراته، مشيراً إلى أن المؤتمر يجسّد رؤية دولة الإمارات في جعل التسامح والأخوّة الإنسانية نهجاً مؤسسياً مستداماً.
وأشار إلى أن الشراكة بين وزارة التسامح والتعايش ومركز تريندز، تُمثّل نموذجاً متقدماً في الربط بين القيم والمعرفة، وبين الفكر والممارسة، وتسهم في إثراء النقاش الدولي حول مستقبل التعايش الإنساني في عالم تتداخل فيه التقنية والمسؤولية الأخلاقية.

جلسات متخصصة
وتضمّنت أعمال المؤتمر ثلاث جلسات رئيسة ركّزت على صون القيم الإنسانية وكرامة الإنسان وحقوقه في عصر الذكاء الاصطناعي، وتناولت العلاقة بين العلوم الإنسانية والتكنولوجيا، والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في تعزيز الأخوّة الإنسانية، إضافة إلى الحوكمة الرقمية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وفق معايير اليونسكو، بمشاركة نخبة من الخبراء والمسؤولين المحليين والدوليين.