آمنة الكتبي (دبي)
وصف الدكتور بسام الفيلي، مدير عام شركة الفضاء المداري الكويتية، التعاون الإماراتي الكويتي بأنه من أكثر نماذج التعاون الإقليمي نضجاً وتقدماً في قطاع الفضاء، في ظل الانتقال الواضح الذي تشهده المنطقة من مرحلة الطموحات إلى مرحلة التنفيذ العملي.
وأكد الدكتور الفيلي في تصريحات لـ«الاتحاد»، أن هذه الشراكة تجاوزت مرحلة التنسيق العام وتبادل الرؤى، لتدخل في إطار التكامل المؤسسي والتنفيذي، عبر برامج تدريب الكوادر الوطنية، وتبادل الخبرات التقنية، والمشاركة في مبادرات بحثية مرتبطة بتطبيقات الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد، مشيراً إلى أن هذا المسار يعكس رؤية مشتركة تقوم على بناء منظومة فضائية قادرة على الاستدامة، وليس مجرد تنفيذ مشاريع محدودة الأثر.
واعتبر أن ما يميز التعاون الإماراتي والكويتي في قطاع الفضاء هو تركيزه على بناء القدرات الوطنية المشتركة، وليس الاكتفاء بتنفيذ مشاريع منفصلة أو مرحلية.
وبيّن أن هذا النموذج يقوم على الاستثمار في الإنسان، ونقل المعرفة، وتوطين الخبرات، بما يضمن استمرارية الإنجاز وتراكمه على المدى الطويل، لافتاً إلى أن هذا النهج يجعل من التعاون بين البلدين نموذجاً مرجعياً للتعاون الإقليمي القائم على المعرفة والتقنية، بعيداً عن النماذج التقليدية التي تقتصر على التنسيق أو تبادل الدعم الفني.
وأشار إلى أن وجود شركة متخصصة في مجال الفضاء باستثمارات من مبادرين كويتيين تعمل من دبي تحت مظلة برنامج «مناطق الفضاء الاقتصادية» يعكس تطوراً نوعياً في طبيعة الشراكة بين الإمارات والكويت، وانتقالها من مستوى التعاون الحكومي إلى مستوى التكامل الاقتصادي الفعلي بقيادة القطاع الخاص، مؤكداً أن هذا النموذج يعكس ثقة المستثمر الخليجي في البيئة التنظيمية والاقتصادية لقطاع الفضاء الإماراتي، كما يعكس توسع نطاق التعاون ليشمل الابتكار والتكنولوجيا وسلاسل التوريد، وليس فقط الاستثمار المالي.
منظومة واحدة
ولفت إلى أن هذا النموذج يتجاوز مفهوم «الاستثمار الخارجي» التقليدي، ليمثل حالة اندماج حقيقية في منظومة اقتصادية واحدة، حيث يشارك القطاع الخاص الكويتي في تطوير التكنولوجيا، وبناء القدرات الصناعية، وتعزيز الابتكار داخل قطاع الفضاء الإماراتي، مؤكداً أن هذا المسار يمكن اعتباره نموذجاً عملياً للتكامل الخليجي في الصناعات المتقدمة؛ لأنه يقوم على توزيع الأدوار وفق الميزة التنافسية لكل دولة، وليس على تكرار القدرات أو الدخول في منافسة غير منتجة.
وأكد أن برنامج «مناطق الفضاء الاقتصادية» أسهم بدور محوري في تحويل وجود الشركات من حضور استثماري محدود إلى شراكة فاعلة في تطوير قطاع الفضاء وتطبيقاته، حيث إن البرنامج يوفر بيئة متكاملة لا تقتصر على الاستضافة، بل تتيح للشركات الانخراط في البحث والتطوير، والتصنيع، واختبار التقنيات، والدخول في شراكات مع مؤسسات محلية ودولية، لافتاً إلى أن الشركات الخليجية أصبحت جزءاً من منظومة الابتكار الفضائي نفسها، بما يشمل تطوير تطبيقات في مجالات الاتصالات والملاحة والاستشعار عن بُعد والأمن الغذائي، وهو ما يعزز القيمة المضافة الحقيقية للاقتصاد الخليجي.
مسار مستدام
قال الدكتور الفيلي: يمثل إطلاق القمر الصناعي المكعب التعليمي الثاني امتداداً لمسار مستدام في بناء القدرات الوطنية في قطاع الفضاء، وأحد أبرز ثمار التعاون الاستراتيجي على مستوى القطاع الخاص بين الإمارات والكويت، مشيراً إلى أن هذه المبادرة تأتي استكمالاً لمبادرة «قمر الكويت» التي تم إطلاقها وتشغيلها خلال الفترة من 2021 إلى 2024، مما يعكس استمرارية الرؤية وعدم الاكتفاء بالإنجازات المرحلية.
وأكد أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في إطلاق قمر صناعي جديد، بل في كونها منصة عملية لبناء رأس المال البشري الخليجي في مجالات هندسة الأقمار الصناعية، وإدارة المهمات الفضائية، وتحليل البيانات، ونظم التشغيل الأرضية، من خلال إتاحة الفرصة للشباب للعمل جنباً إلى جنب مع خبرات متقدمة واكتساب خبرة مباشرة في مختلف مراحل دورة حياة القمر الصناعي.
مرحلة عميقة
بين الدكتور الفيلي أن المؤشرات الحالية توحي بأن العلاقات الفضائية بين الإمارات والكويت تتجه نحو مرحلة أكثر عمقاً، تتجاوز التعاون الثنائي التقليدي إلى مشاريع ذات طابع استراتيجي مشترك، سواء في مجال الأقمار الصناعية التطبيقية، أو مراكز البيانات الفضائية، أو خدمات الفضاء التجارية، مبيناً أن هذه المشاريع مرشحة لتحقيق أثر اقتصادي مباشر عبر خلق صناعات جديدة ووظائف نوعية، إلى جانب أثر سيادي يتمثل في تعزيز الاستقلال التقني وتعظيم الاستفادة من الفضاء في مجالات الأمن الوطني والتنمية المستدامة، متوقعاً أن هذه الشراكة ستتحول مستقبلاً إلى منصة خليجية أوسع، تدعم التكامل في مجالات الأمن الفضائي والتنمية المستدامة، وتفتح آفاقاً جديدة.