دبي (الاتحاد)
وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، رسالة إلى المعلمين ضمن كتابه «الرسائل» الجزء الثاني من «علمتني الحياة»، حيث يضم كتاب الرسائل 26 رسالة تختصر خلاصة ستة عقود من العمل العام، لتشكل مرجعاً معرفياً وفكرياً للأجيال الحالية والقادمة.
وجاء في رسالة سموه:
«رسالة إلى المعلمين»
رسالة إلى صُنّاع الأجيال.. ومهندسي العقول..
رسالة إلى من ندين لهم بالحياة الكريمة التي نعيشها..
إلى من صنعوا المهندسين والأطباء والقيادات..
إلى من غرسوا القيم ونشروا المعرفة.. وأضاءوا الأوطان بنور العلم.
رسالة إلى من تعلّمنا منهم في سنوات حياتنا الأولى كيف نفكر، وكيف نقرر، وكيف نحيا، وبقي أثرهم فينا طوال حياتنا.
علّمتني الحياة أن الحضارات تقوم على الأفكار العظيمة، وكل فكرة عظيمة أساسها معلّم عظيم.
إخواني المعلمين.. تأثيركم كبير، نراه ونلمسه كل يوم.. في قيادات شابة مميَّزة، وفي كوادر تقود بلدنا بمهارات استثنائية، وفي موظفين ومسؤولين وتجار وأطباء ومهندسين يمتلكون أخلاقاً وقيماً عالية.
قبل فترة، حضرت جلسة حول الذكاء الاصطناعي، تحدث فيها أحد الشباب المتحمسين: «هل نحتاج إلى كل هذه الأعداد من المعلمين؟ يستطيع أي طالب اليوم أن يسأل آلة ذكية عن الفيزياء أو التاريخ أو البرمجة أو الأدب، وسيحصل على إجابة خلال ثوانٍ ربما تكون أفضل من إجابة كثير من المعلمين.
إذا أصبحت الآلة قادرة على الشرح فما الحاجة إلى المعلم؟ بل إن التقنيات اليوم تطورت ليصبح لكل طالب معلم مصمم بالذكاء الاصطناعي، يعلمه بطريقة تناسبه، ويشرح له بأسلوب يحبه، ويتدرج معه حسب مهاراته وقدراته العقلية وطموحاته المعرفية».
انتهى كلامه، ولا أتفق معه.
لا أتفق مع هذه الأفكار، فالتعليم ليس بناء للعقل فقط، بل بناء للشخصية التي تستخدم هذا العقل، وبناء لأسلوب التفكير واتخاذ القرار، وبناء للإطار الأخلاقي والمجتمعي والوطني الذي يحكم الإنسان.
نعم، أصبحت الآلة أقوى. وكلما أصبحت الآلة أقوى وأسرع، ازدادت قدرات الإنسان وقوّته. ولكن كلما ازدادت قوّته، زادت حاجته إلى معلم يغرس فيه القيم، ويبني فيه الحكمة، ويطور فيه مهارات الحياة الحقيقية كالتواصل والتعاون والتعاطف وفهم البشر.. المهارات التي تجعل من الإنسان إنساناً.
لا يمكن الاستغناء عن دور المعلم في حياتنا، لأن دوره سيتغير من ناقل للمعرفة إلى دليل للمعرفة.. يساعد الطالب على تمييز الحقيقة من الزيف، والمهم من غير المهم. لم يعد السؤال: أين نجد المعرفة، بل كيف نستخدمها..
ولم يعد السؤال: أين نتعلمها، بل كيف نصنع منها قيمة جديدة للبشر. وهذا دور المعلم اليوم.
دور المعلم لن يكون في تقديم الإجابات، بل في مساعدة الطالب على طرح الأسئلة الصحيحة، لأن الطالب المتميز ليس من يعرف أكثر، بل من يسأل أكثر، ومن يتخيل أكثر، ومن يستخدم العلم ليتفاعل مع الواقع أكثر.
دور المعلم لن يكون في حفظ الحقائق ونقلها، بل في تدريب العقول على التفكير، وإشعال الشغف والدهشة والخيال في نفوس الطلاب.
دور المعلم في السابق كان تعليم الطالب ليكون مستعداً للحياة.. دوره اليوم أن يغرس فيه أن التعلم هو الحياة.
ولا يمكن أن يمارس المعلم هذا الدور دون أن يتحوّل هو أيضاً إلى متعلم دائم، لأن المعلم الناجح لا ينافس الآلة، بل يجعلها مساعده الشخصي في أداء دوره ورسالته. ولا بد أن يطوّر المعلمون قدراتهم ومهاراتهم واستخداماتهم للتقنيات الجديدة. الآلة لن تأخذ دور المعلم، ولكن المعلم الذي يعرف كيف يستخدم الآلة سيأخذ دور المعلم الذي لا يعرف.
التغييرات حولنا تفرض علينا تغيير طريقة التعليم في مدارسنا، لأننا إذا علّمنا أبناءنا اليوم كما كنا نعلّم آباءهم بالأمس فإننا نسلب منهم الغد.
إخواني المعلمين.. سيبقى دوركم الأهم بناء الإنسان..
الإنسان المخلص لوطنه، المتفاعل مع مجتمعه، الواعي باحتياجاته، القادر على التعبير عن نفسه وأفكاره، المتمكن من استخدام الآلة في تحقيق طموحاته..
الإنسان الذي يملك البوصلة الأخلاقية التي تقوده في حياته.
علّمتني الحياة أن الدول تبني الجيوش لحماية الحدود، لكنها تبني المدارس لحماية المستقبل.. وأن الجيوش تحمي الجغرافيا، ولكن التعليم هو الذي يصنع التاريخ. وأنتم صُنّاع التاريخ وبناة المستقبل.
وفّقكم الله وسدّد على طريق العلم خطاكم.
أخوكم..
محمد بن راشد آل مكتوم