الأربعاء 13 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي والخلايا الجذعية.. تحالف علمي لعلاج الأمراض النادرة

الذكاء الاصطناعي والخلايا الجذعية.. تحالف علمي لعلاج الأمراض النادرة
13 مايو 2026 00:51

تعاني الأمراض العصبية العضلية النادرة من نقص حاد في العلاجات المتاحة، إذ يظل تطوير أدوية موجهة لها عملية طويلة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر بالنسبة لشركات الأدوية. غير أن نهجًا جديدًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي ونماذج الخلايا الجذعية قد يعيد تشكيل هذا الواقع.

كانت شركة «كانتيفاي» البلجيكية، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، تعمل في مسارات تقليدية مثل التسويق والنقل، قبل أن يدفعها تحول شخصي عميق إلى إعادة توجيه نشاطها نحو القطاع الصحي. فقد شكّل تشخيص إصابة أحد مؤسسيها بالسرطان نقطة انعطاف في مسار الشركة. وتقول سيغولين مارتن، الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية: «كنا نطوّر خوارزميات لقطاعات بعيدة عن الصحة، لكن ذلك منحنا خبرة متقدمة في الذكاء الاصطناعي».

وفي عام 2017، تسارع هذا التحول بعد إصابة نيك سوبرامانيان، المدير التقني للشركة، بساركوما، وهو نوع نادر من السرطان يصيب الأنسجة الضامة مثل العظام والعضلات والأوعية الدموية. وقد دفع هذا الحدث الشركة إلى إعادة توجيه قدراتها نحو تطوير حلول طبية قائمة على الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجال اكتشاف الأدوية.

وتضيف مارتن: «غيّر ذلك حياتنا بالكامل. أصبح تركيزنا الآن منصبًا على الذكاء الاصطناعي في صحة الإنسان، وطورنا تقنيات متخصصة لاكتشاف الأدوية باستخدام هذه الأدوات».

وبحسب موقع «ميديكال إكسبريس» المتخصص في الأبحاث الطبية والذكاء الاصطناعي، تُوظَّف هذه الخبرات حاليًا ضمن مشروع أوروبي بحثي يمتد لخمس سنوات يحمل اسم «DREAMS»، ويهدف إلى تطوير وتحسين علاجات خمسة اضطرابات عصبية عضلية نادرة تُسبب ضعفًا تدريجيًا في العضلات.

تحديات معقدة في تطوير العلاجات
يُعد تطوير علاجات للأمراض النادرة أحد أكثر التحديات تعقيدًا في الطب الحديث، إذ يتطلب سنوات طويلة من البحث والتجارب السريرية والإجراءات التنظيمية، إلى جانب تكاليف مرتفعة وعدم ضمان النتائج. وغالبًا ما تجعل قلة عدد المرضى هذه الاستثمارات غير مجدية اقتصاديًا، ما يترك العديد من الأمراض دون علاج.

ورغم ذلك، لا تتوفر علاجات معتمدة سوى لنحو 5% إلى 6% فقط من أصل ما يُقدَّر بين 7,000 و10,000 مرض نادر، وفق تقديرات دولية، وهو ما يجعل هذا المجال أولوية متزايدة في السياسات الصحية العالمية.

وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة واعدة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة، وتحديد مرشحين محتملين للأدوية في مراحل مبكرة، إضافة إلى إمكانية إعادة توظيف أدوية موجودة لعلاج أمراض نادرة.

التركيز على الاضطرابات العصبية العضلية
يركز مشروع «DREAMS» على خمسة اضطرابات عصبية عضلية نادرة، من بينها ضمور العضلات الدوشيني الذي يصيب الأطفال الذكور ويتسبب في تدهور تدريجي للعضلات، وضمور العضلات من نوع إيمري–دريفوس الذي قد يؤدي إلى مضاعفات قلبية خطيرة.

ورغم اختلاف أسبابها الجينية، فإن هذه الأمراض تتقاطع في آليات بيولوجية على مستوى الخلايا. ومن خلال استهداف هذه المسارات المشتركة، يسعى الباحثون إلى تطوير علاجات يمكن أن تخدم أكثر من مرض في الوقت نفسه بدلًا من التعامل مع كل حالة بشكل منفصل.

ولتحقيق ذلك، يعيد الفريق برمجة خلايا مأخوذة من المرضى إلى خلايا جذعية متعددة القدرات (iPSCs)، يمكن تحويلها إلى أنواع مختلفة من الخلايا، ثم تُستخدم لإنتاج أنسجة عضلية في المختبر لدراسة المرض في بيئة محكومة.

ويقول كزافييه نيسان، منسق المشروع ومدير الأبحاث في معهد «آي-ستيم» الفرنسي: «هذا النوع من الأبحاث بالغ الأهمية للمرضى وعائلاتهم، فهم يعيشون مع هذه الأمراض يوميًا ويحتاجون إلى حلول جديدة».

 

محتوى مشابه.. الذكاء الاصطناعي.. نافذة أمل جديدة لملايين المصابين بالأمراض النادرة

 

من البيانات إلى اكتشاف الأدوية
لا يقتصر العمل في مشروع «DREAMS» على فهم آليات المرض، بل يمتد إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل مليارات المركبات الدوائية، سواء الجديدة أو المعتمدة، بهدف التنبؤ بالأكثر فعالية.

وتوضح مارتن: «يمثل هذا أحد أبرز أدوار الذكاء الاصطناعي، عبر تسريع البحث العلمي وتحقيق أثر ملموس في مجالات ظل التقدم فيها بطيئًا لسنوات طويلة».

وفي المختبرات، يختبر الباحثون مكتبة تضم نحو 2,700 دواء معتمد من هيئات تنظيمية مثل الوكالة الأوروبية للأدوية وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، لمعرفة مدى فعاليتها ضد الأعراض المشتركة لهذه الأمراض.

ويضيف نيسان: «نختبر هذه الأدوية على خلايا عضلية مشتقة من خلايا جذعية لمرضى، ونستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم آليات عملها وتحديد أهدافها، بل والتنبؤ بأمراض أخرى قد تكون فعالة في علاجها».

وقد استغرق الفريق ثلاث سنوات لبناء قاعدة البيانات اللازمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بإمكانية إعادة توظيف الأدوية.

وتُعد منصة «سابيان»، التابعة لشركة «كانتيفاي»، أحد المحركات الأساسية لهذا العمل، إذ تعتمد على بيانات واسعة تشمل الجزيئات والبروتينات وبراءات الاختراع وخصائص الأدوية، ما يمكّنها من اقتراح أدوية مرشحة لعلاج أمراض محددة.

 

تعرف على.. تقنية لمراقبة الأمراض المزمنة خارج أسوار المستشفيات

آفاق مفتوحة ومخاطر عدم اليقين
ورغم التقدم المحقق، لا يزال من المبكر تحديد متى يمكن أن تتحول هذه الجهود إلى علاجات متاحة للمرضى. ويؤكد نيسان ضرورة الحذر من المبالغة في التوقعات، مشيرًا إلى تعقيد المسار العلاجي.

ويقول: «من المقرر أن ينتهي المشروع في عام 2028، لكن ما بعد ذلك يظل غير محسوم. تطوير الأدوية عملية طويلة جدًا، ونحن نبذل أقصى ما نستطيع دون وعود مبالغ فيها».

وتعتمد النتائج النهائية على التجارب السريرية، التي قد تستغرق سنوات طويلة حتى في حالة الأدوية المعاد توظيفها.

وللتغلب على تحدي محدودية أعداد المرضى، يقترح الباحثون اعتماد نموذج «التجارب السريرية السلالية» (Basket Trials)، الذي يسمح باختبار دواء واحد على مرضى يعانون من أمراض مختلفة تشترك في آلية بيولوجية واحدة.

وقد بدأت جهات بحثية وتنظيمية، إلى جانب جمعيات مثل «AFM-Téléthon»، في دعم هذا النهج كوسيلة لتسريع تطوير العلاجات.

وبين الطموح العلمي وتعقيدات الواقع الطبي، يصف الباحثون هذا العمل بأنه يتجاوز حدود البحث التقليدي.

ويختتم نيسان قائلًا: «المسؤولية كبيرة، لكن الأمل أكبر. نحن نعمل من أجل المرضى الذين يحتاجون إلى أي تقدم ممكن، حتى لو كان بطيئًا، لأنه قد يغيّر حياتهم بشكل جذري».

 

أسامة عثمان (أبوظبي)

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©