محمد نجيم (الرباط)
يأخذنا الفنان المغربي عبدالعزيز الغراز في معرضه الجديد «رنين» المنظم برواق محمد الفاسي في الرباط، لنسمع وقع الألوان وضربات الفرشاة بإيقاع لوني تنبعث منه موسيقى الروح الهادئة والصافية كماء النبع، وليسافر بالمتلقي ليسبح معه في عوالم الهدوء والسكينة التي تمنحها اللوحات ويغذي بها روحنا من خلال ألوان منفتحة ترسم معالم الوجود الذي يحلم به هذا الفنان وتترجم ما يَعتمل في دواخله من آمال وأحلام، ألوان تتخللها خضرة الأشجار وضوء الشمس وكل ما يَعبر الوجدان وما يمنح الفرح ويثير التساؤل والقلق الوجودي.
إن الفنان عبد العزيز الغراز يرسم حُلمنا ويستنطقه ويُخرجه إلى الوجود بلغة فنية راقية ولمسات لونية شديدة الدقة والشاعرية، تسلك طريق المجاز لتكشف عن المكنون في النفس والمختبئ في الذات بعناصر كثيفة من خيوط الضوء التي تنطق بالكثير من الرموز والدلالات، فالفنان عبدالعزيز الغرار يتخذ من التجريد الغنائي ملمحاً صوفياً مُحيراً، إذ يقدم لنا، حسب الناقد الجمالي سمير بوسلهام، عملاً فنياً يلامس الوجود المجرد في أبهى حاله، وهو يعلم المتلقي الجمال ليس بالضرورة في حاجة إلى موضوع واقعي كي يتصوره.
وعندما ننجح في الإقبال على تلقي أعمال الغراز الفنية، نكون قد أقبلنا على تعلم سبيل التعرف على الجمال في ذاته، ولكنها أعمال عنيدة لا تفتح أبواب تذوقها لأي كان، إذ بقدر المخاض الذي يمر به الفنان ليمسك باللحظة الإستيطيقية أو الكارثة كما يسميها جيل دلوز، يحتاج المتلقي إلى المخاض نفسه ليمسك بالقيمة الجمالية لهذه الأعمال، وكأنها تفرض علينا شروطها حتى تسمح لنا بأن ندخل عالمها السحري.
فحينما ننظر هنا لا نجد التجريد الآخذ في الهروب من الظاهر لكشف الباطن أو استشرافه بل هو تجريد مغاير لا يعطي إجابة أو سؤالاً.. هو يبقيك في حالة ملغزة من المتعة يجبرك على أن تبحث عن إشاراتك أنت.. لوحتك أنت.. كمتلقٍّ نهِم يعينك بأنماطه البنائية بأفقياته ورأسياته لكي تبحث عن تجربتك، حسب طارق مأمون مدير المتحف المصري المعاصر بالقاهرة.
وأعمال هذا الفنان تحيلنا، كما قال الناقد الجمالي بنيونس عميروش، في حفل الافتتاح، على علاقة الإنسان بفتنة الطبيعة والكون بعامة، وبمعطياتها التجريدية الخاصة، تذكرنا بجمالية الانطباعيين، حيث قبس النور المنبعث في قشرة الضبابية، وهو ما يمنح العين حياتها، بينما تدفعنا لملامسة رؤية الفنان وهواجسه المضمرة والمعلنة، المضمرة في حصر احتداد دواخله لاستبصار ما ينبغي أن تستقبله القماشة في حالة الصحو والصفاء، وعبر مصفاة إدراكية، يشركنا فيما يعلنه بلمساته على بياض السطوح من شعور وانفعالات وتصويبات حرفية، ليكشف لنا مناظره الدفينة الموصوفة بطراوة الخيال ويقظة التصور الذي يوجهنا ويحرك فينا أحاسيس البهجة والهيام في مشهدية ناعمة ومشوقة.