هزاع أبو الريش (أبوظبي)
تُشكل «حديقة المسار» في متحف زايد الوطني عنصراً جوهرياً في تجربة الزائر، إذ تأخذه في رحلة إلى المساحات الخارجية، التي تربط سردية المتحف ببيئته الطبيعية المحيطة، تجسيداً لروح المكان وهويته. وقد صُممت الحديقة لتكون قاعة عرض مفتوحة تتيح للزوّار الانغماس في البيئات الطبيعية المتنوعة التي صاغت أنماط الحياة في دولة الإمارات، مع تسليط الضوء على الروابط العميقة بين الإنسان والأرض والتراث.
تروي الحديقة فصولاً من سيرة الوالد المؤسّس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مستلهمةً رؤيتها من البيئات الطبيعية التي شكّلت مسيرته الاستثنائية. وصُممت الحديقة لتكون امتداداً حياً لتجربة المتحف، حيث تحتضن مجموعة غنية من النباتات المحلية الموزعة على ثلاث مناطق بيئية رئيسة: الصحراء، والواحات، والمناطق الحضرية.
وتمتد «حديقة المسار» على مسافة 600 متر على طول ساحل السعديات، لتربط جغرافياً وثقافياً بين متحفي «اللوفر أبوظبي» و«التاريخ الطبيعي أبوظبي» وصولاً إلى بوابة متحف زايد الوطني، مشكّلةً بذلك رحلةً زمنيةً ومكانيةً تُحاكي مسيرة القائد المؤسّس، وتستعرض التاريخ العريق لدولة الإمارات العربية المتحدة.
وتجسّد «حديقة المسار» رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في مجال الاستدامة، وهي الرؤية التي أرست مفاهيم العدالة في تقاسم الموارد والمسؤولية في صونها، لا سيما المياه.
وتربط الحديقة المتحف بمحيطه الطبيعي الأوسع، مكرّسةً قيم الرعاية، والمسؤولية، وروح المشاركة المجتمعية. وقد صُممت بأسلوب يدعم الاستدامة البيئية، حيث تعتمد على قنوات سطحية ضحلة لتصريف مياه الأمطار طبيعياً، وتزدان بنباتات محلية مقاومة للجفاف تستهلك حداً أدنى من مياه الري. وبموازاة ذلك، أُولي اهتمامٌ بالغ بتعزيز تجربة الزوّار وراحة الوصول، عبر توفير ممرات مُظللة ومساحات للاستراحة، بما يضمن تحويل الحديقة إلى بيئة شاملة ومرحبة بالجميع.

وقالت فاطمة الشامسي، رئيسة وحدة المعارض في متحف زايد الوطني، أن تجربة «حديقة المسار» تمثّل مساحة تعليمية ومجتمعية متكاملة، تهدف إلى تعزيز سردية المتحف عبر دمج الثقافة والتاريخ والبيئة في إطار واحد شامل، وتتمحور الحديقة حول ركيزتين أساسيتين: أولاهما البيئات الطبيعية، حيث تستعرض المشاهد البيئية المتنوعة -من صحراء وواحات ومناطق حضرية- التي شكّلت ملامح الحياة التقليدية في دولة الإمارات، وثانيتهما إرث الشيخ زايد، إذ تحتفي الحديقة برؤية المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وقيمه القائمة على احترام الطبيعة، وصون البيئة، وترسيخ مبادئ الاستدامة والعدالة في تقاسم الموارد.
وفيما يخص المقتنيات الحية التي تحتضنها «حديقة المسار»، أوضحت رئيسة وحدة المعارض أنها تضم تشكيلة متنوعة من الأشجار والنباتات المحلية، التي تمثل بيئات الصحراء والواحات والمناطق الحضرية، وفي مقدمتها شجرة الغاف، ومجموعة من النباتات الطبية والغذائية، إضافة إلى أنواع مختارة بعناية لقيمتها البيئية والثقافية الرفيعة. وتعكس هذه الغطاءات النباتية المشاهد الطبيعية التي ألهمت مسيرة الوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إذ شكلت معرفته العميقة بطبيعة الأرض ركيزةً لرؤيته في صون البيئة وتحقيق الاستدامة. ومن خلال هذه المجموعة، يخوض الزوّار تجربة تفاعلية تعرفهم بالبيئات التي صاغت تفاصيل الحياة اليومية والممارسات التقليدية في دولة الإمارات.
وأضافت الشامسي أن الحديقة تزدان بعناصر مائية تجسّد أنظمة الري العريقة، مثل «قنوات الأفلاج» التي اشتهرت بها الواحات، لتسليط الضوء على تقنيات الري القديمة وأساليب الحفاظ على الموارد المائية في الدولة، مبينةً أن الفلج يُعد ابتكاراً هندسياً فريداً يعتمد على تدفق المياه الجوفية إلى السطح لري المزارع، مما يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الأرض ومواردها. وقد شهد هذا النظام تطويراً وتوسعاً ملحوظاً خلال فترة تولّي الوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، منصب ممثل الحاكم في منطقة العين، حيث جسّد مشروعه لتطوير الأفلاج أسمى مبادئ المشاركة المجتمعية، ورسّخ نهجه القائم على العدالة وتكافؤ الفرص والمسؤولية البيئية.
وأشارت إلى أن الحديقة تأتي بمجموعة من «المنحوتات واللوحات التفسيرية»، التي تقدم تركيبات فنية ملموسة مصنوعة من مواد متنوعة، تضم منحوتات برونزية للكائنات الفطرية، وتركيبات تفاعلية تحاكي تموج الكثبان الرملية، إضافة إلى ألواح منقوشة تروي قصة الأرض وتقاليد مجتمعاتها الأصيلة. وتوفر هذه العناصر تجربة «متعددة الحواس»، تتيح للزوّار بجميع فئاتهم الارتباط بالسردية التاريخية والبيئية، وتحفّزهم على التأمل في عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
وأوضحت الشامسي أن الحديقة تضم مرافق تعليمية خارجية تقدم عروضاً تفاعلية وأدلة للأنشطة الذاتية، وورش عمل تسلط الضوء على الأدوات الزراعية التقليدية وأساليب التعايش مع البيئة الصحراوية. وتشمل هذه الأنشطة موضوعات حيوية مثل رياضة الصقارة، وتقنيات حفظ البذور، والمبادرات البيئية المعاصرة، لتمنح الزوار تجربة تعليمية حية تعرّفهم ببيئة دولة الإمارات وتراثها الثقافي العريق.
وأشارت إلى توافر ممرات مهيأة للمشاة، ومساحات مُظللة، وأركاناً هادئة للتأمل والاستراحة، تتيح للزوار استكشاف المكان براحة وطمأنينة. وفي هذا الشهر الفضيل، تكتسب هذه المساحات أهمية خاصة، إذ غدت بيئة مثالية تدعو الزوّار للملاحظة والتفكر والتفاعل مع الطبيعة الساحرة في أجواء رمضانية ملهمة.