أبوظبي (الاتحاد)
يستعيدُ «معجمُ البلدان» لياقوت الحموي حضوره ضمن مبادرة «8 مساءً»، التي أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية للمرة الأولى خلال الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب؛ احتفاءً بواحد من أمهات المعاجم الجغرافية في التراث العربي الإسلامي، والذي ظلَّ بعد أكثر من ثمانية قرون على تأليفه شاهداً على اتساع المعرفة الجغرافية والتاريخية في الحضارة العربية الإسلامية، وعلى قدرتها على توثيق صورة المكان ورصد تاريخ الإنسان فيه. ويكتسب الاحتفاء بالكتاب هذا العام طابعاً خاصاً في المعرض؛ إذ يُقدَّم «معجم البلدان» بوصفه أحد أبرز ذخائر التراث الجغرافي للحضارة العربية الإسلامية في سياق معرفي معاصر، يستحضر رحلة الكتاب منذ تأليفه في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، ويعرِّف الجمهور بمكانته العلمية وبما يتضمنه من معلومات واسعة عن بلدان العالم الإسلامي، تمتدُّ من أقصى الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً، فضلاً عما يشتمل عليه من أخبار وتراجم ومواد أدبية وثقافية متصلة بالبلدان والمواضع التي يتناولها.
وقد تولَّت إدارة المكتبات بقطاع الثقافة في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي إعداد النسخة المحقَّقة من «معجم البلدان»، ضمن مشروعات قسم المخطوطات والبحوث بالإدارة؛ في إطار جهودها الرامية إلى صون التراث الثقافي والعلمي وإتاحته للأجيال الجديدة. امتدَّ المشروع لأكثر من ربع قرن بقيادة الباحث عبد الله السريحي، وأثمر حتى الآن عن صدور ستة مجلدات مكتملة تضمُّ أكثر من 3500 صفحة، أنجز السريحي تحقيقها وفقاً لمنهج علمي رصين يراعي مكانة المعجم وقيمته بوصفه أحد أهم المؤلفات الموسوعية، ومصدراً لا غنى عنه للباحثين في التراث العربي بمختلف حقوله المعرفية.
ويعدُّ الاحتفاء بـ «معجم البلدان» في معرض أبوظبي الدولي للكتاب إسهاماً نوعياً من ناحية صون التراث العربي الإسلامي وإتاحته للأجيال الجديدة؛ فبالإضافة إلى المعلومات الجغرافية والتاريخية التي يقدمها، يشتمل المعجم على التعريف بما آلت إليه المواضع والبلدان والمدن الواردة فيه عبر الزمن، بما في ذلك ما اندثر منها وما بقي قائماً، الأمر الذي يجعله مصدراً موثوقاً لدراسة تحولات المكان والإنسان والمجتمع. ومن خلال مبادرة «8 مساءً»، يُقدَّم «معجم البلدان» بوصفه ذاكرة حيَّة للأماكن والبلدان في العالم العربي والإسلامي، وكتاباً لا يزال قادراً على أن يفتح أمام القارئ المعاصر آفاقاً متعددة لقراءة العالم في ضوء المعرفة التي وصل إليها علماء الحضارة العربية الإسلامية.
كما يكشف المعجم عن جانب من طبيعة المعرفة الموسوعية التي بلغها العلماء والمفكرون في تلك الحضارة، وعن المنهج العلمي الذي اتبعوه في جمع المعلومات وتصنيفها وتوثيقها، وهو ما أسهم في بقاء مؤلفاتهم مراجع علمية أساسية تتوارثها الأجيال، وتستفيد منها على امتداد القرون.