دبي (الاتحاد)
في رحاب قرية الجزيرة الحمراء التراثية، آخر قرية إماراتية متكاملة لصيد اللؤلؤ لا تزال قائمة في الدولة، يحتفي مهرجان فن رأس الخيمة 2026 بتنوّع الأشكال الثقافية، إلى جانب التطلّعات الإنسانية المشتركة التي توحّد البشر.
وفي دورته الرابعة عشرة، يستكشف المهرجان هذا العام كيفية مساهمة الأجيال المتعاقبة والابتكارات المعاصرة في صياغة المشهد الإبداعي في دولة الإمارات وخارجها. يقام المهرجان ضمن مبادرة فن رأس الخيمة التابعة لمؤسسة الشيخ سعود بن صقر القاسمي لبحوث السياسة العامة، كجزء من برنامج متكامل يمتد على مدار العام، يهدف إلى دعم المواهب الإبداعية المحلية من خلال المنح، والبرامج التعليمية المتخصصة، وورش العمل.
وانطلاقاً من النجاح الذي حققته الدورات السابقة، يقدّم مهرجان فن رأس الخيمة 2026 برنامجاً حافلاً يمتد على مدار شهر كامل، يضم معارض فنية، وعروضاً خاصة، وورش عمل، وجولات مصحوبة بمرشدين، وعروض أفلام، وتجارب طهي مختارة بعناية.
106 فنانين
ويجمع المهرجان 106 فنانين من 49 جنسية، إلى جانب شركاء محليين وإقليميين ودوليين. وبصفته الحدث الأبرز للفنون والثقافة في إمارة رأس الخيمة، يواصل المهرجان ترسيخ حضوره في موقعه الفريد داخل قرية الجزيرة الحمراء التراثية، مسلطاً الضوء على مكانة القرية كإحدى أهم الوجهات الثقافية والتراثية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتعليقاً على أهمية المهرجان، قالت الدكتورة ناتاشا ريدج، المدير التنفيذي لمهرجان فن رأس الخيمة: تماشياً مع رؤية مبادرة فن رأس الخيمة، تمّ تصميم مهرجان فن رأس الخيمة 2026 ليكون إحدى دعائم الحوار والتبادل الثقافي الإبداعي. يشكّل البرنامج الموسّع لهذا العام، إلى جانب بينالي رأس الخيمة للفن المعاصر، محطة مهمة في مسيرة تطوّر المهرجان المستمرة. وانطلاقاً من موضوع هذا العام الذي يندرج تحت شعار الحضارات، واحتضانه في قرية الجزيرة الحمراء التراثية، يرسّخ المهرجان الدور المتنامي لرأس الخيمة بصفتها مركزاً ثقافياً ينبض بالحياة.
تحت سماء واحدة
يطلّ مهرجان فن رأس الخيمة 2026 هذا العام كاحتفاءٍ مهيب بتطور الثقافات، وتكريمٍ للإرث الإبداعي الذي صاغ ملامح التاريخ عبر العصور. وتحت شعار الحضارات، ينطلق الزوار في رحلة بصرية غامرة، تبدأ من طرق الحرير القديمة التي ربطت رأس الخيمة يوماً بآفاقٍ بعيدة، إلى المدن الحديثة التي ترسم ملامح عالمنا المعاصر. ويستعرض المهرجان كيف ازدهر التعبير الفني داخل المجتمعات، مستكشفاً سردية الحضارة بوصفها إرثاً مشتركاً وإطاراً حياً يشكّل حاضرنا ومستقبلنا، ويوضح كيف تتطوّر الحضارات عبر تداخل قرارات البشر وابتكاراتهم وتبادل معارفهم على امتداد آلاف السنين، لتثمر إنجازات استثنائية في مجالات الفن والعمارة، والفلسفة، والعلوم، والحوكمة.
يجدد المهرجان هذا العام التزامه بتقديم تمازج استثنائي يجمع بين الفنون المعاصرة العالمية وعبق التراث الثقافي الإماراتي، عبر برنامج حيوي يفيض بورش العمل الإبداعية، والجولات الإرشادية الملهمة، والعروض الموسيقية والسينمائية الحية. وحرصاً على إشراك أفراد المجتمع كافة، يكتسي كل أسبوع بطابعٍ فريد يمنح الزوار تجربة متجددة، حيث تنطلق عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية من 16 إلى 18 يناير، تليها عطلة نهاية الأسبوع الصديقة للعائلة والحيوانات الأليفة من 23 إلى 25 يناير، وتأتي بعدها عطلة نهاية أسبوع حول العالم من 30 يناير إلى 1 فبراير، فضلاً عن عطلة نهاية الأسبوع الثقافية من 6 إلى 8 فبراير.
بينالي رأس الخيمة
في صميم هذا الحدث الثقافي يأتي الإطلاق الافتتاحي لبينالي رأس الخيمة للفن المعاصر، وتحت إشراف شارون توفال، القيّم والباحث في الفن المعاصر، يجسّد المعرض الذي يمتد على مدار شهر كامل موضوع هذا العام بأسلوب لافت، مسلطاً الضوء على كيفية تطوّر الثقافات وتلاقيها، وتركها لإرث إبداعي يتجاوز حدود الزمان والمكان.
يمكن للزوّار توقّع لحظات تجمع بين التأمّل الهادئ والطرح الجريء، حيث تستكشف أعمال سوتي كونافيشايونوت وستيفانو كاغول، موضوع الماورائيات، فيما يتحدّى مصوّرون مثل هشام بن هود وماري هودلو منظورات جديدة حول الجسد البشري والتراث الرمزي.
الطاولة المخفية
يضيف مهرجان هذا العام بعداً حسّياً جديداً إلى الرحلة الإبداعية مع إطلاق الطاولة المخفية، وهي تجربة طهي معاد ابتكارها، حيث يلتقي فن الطهي بالفن في تعاونات ملهمة وعابرة للثقافات. كما يستضيف المهرجان كل أسبوع مطعماً مختلفاً ليقدّم نكهته المميّزة في قرية الجزيرة الحمراء التراثية، ومن خلال عالم غني بالنكهات الجريئة، تشمل أبرز المحطات مطعم شاما البرتغالي المشهور بإبداعاته في عالم المشويات على اللهب، وكلاسيكيات متوسطية تحمل عبق الحنين.
جولات إرشادية
يقدم المهرجان لزواره هذا العام جولات إرشادية مصممة بعناية، تمنحهم فرصة الغوص في أعماق التجربة عبر دمج فريد بين المذاق والفن والتراث. يمكن للضيوف استكشاف خبايا البلدة القديمة من خلال جولة تذوق تأخذهم إلى مطاعم محلية مخفية تروي أطباقها قصصاً من قلب المجتمع. أما عشاق الفنون، فيمكنهم الانضمام إلى جولات فنية متخصصة تضيء على السرديات الكامنة خلف أعمال معرض هذا العام. وللباحثين عن عبق الماضي، تعيد الجولات التراثية في قرية الجزيرة الحمراء التراثية إحياء الذاكرة المعمارية للقرية التي تعدّ أخر معاقل اللؤلؤ، حيث تنبض المباني القديمة بحكايات تفاعلية تستحضر روح التاريخ في كل زاوية.
العروض الفنية
يفتح المهرجان آفاقاً رحبة للتعبير الإبداعي عبر العروض الحيّة والسينمائية التي تقام في أجواءٍ ساحرة داخل قرية الجزيرة الحمراء التراثية ومحيطها. وتتصدر الموسيقى وفنون الحركة المشهد بلحظاتٍ تفيض بالروح والإيقاع، من الأنغام الإماراتية الأصيلة بصوت الفنان ماجد ناصر «المايدي»، إلى المزيج الموسيقي الحيوي الذي يجمع بين الكمان والإيقاعات العصرية مع«مدام دي إكس بي». كما يثري المهرجان محتواه بحكايات مسرحية صامتة من إبداع جيمس سكار، ترافقه مونولوجات وجدانية حول الحضارات تقدمها ألانا هيكس، وصولاً إلى الأداء الموسيقي الملحمي للملحن المرشح لجائزة غرامي روجر رايان، وتكتمل هذه التجربة بعروض أفلام منتقاة تعرض في القاعات وفي الهواء الطلق، لتقدم منظوراً سينمائياً مختلفاً يثري الحوار الفني والثقافي للمهرجان.
ورش عمل
تتيح ورش العمل والدروس المتخصصة للزوار فرصة الانتقال من مرحلة الملاحظة إلى المشاركة الفعلية في العملية الإبداعية، بإشراف الفنانين والخبراء. تستكشف الورش العملية الزراعة التقليدية، والخط العربي، والرسم بالضوء، وفن الرسم على القماش، والتصوير الفوتوغرافي، ولف شرائح الورق، ما يتيح تعلم تقنيات متجذرة في التراث مع تجربة أشكال التعبير المعاصر. وفي الوقت نفسه، تغوص الدروس المتخصصة في الحرف المتقنة مثل المينا، وصناعة بلاط الجبس، وبلاط الزليج المغربي، والتطريز، وتجليد الكتب، مقدّمة فرصة للتأمّل والإبداع وإنتاج قطع فنية ذات معنى يمكن أخذها إلى المنزل.