أحمد مراد (القاهرة)
شدد خبراء في الشؤون الأفريقية على أن تداعيات الحرب الأهلية في السودان لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل امتدت لتلحق أضراراً جسيمة بالبنية الاقتصادية والاجتماعية والخدمية للدولة، مما فاقم معاناة ملايين المدنيين، محذرين من خطورة تدهور خدمات الرعاية الصحية والتعليم والكهرباء والمياه.
وأكد الخبراء، في تصريحات لـ«الاتحاد»، أن السودان يواجه تحديات متزايدة في ملف الأمن الغذائي، في ظل تعطل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، مشيرين إلى أن تراجع النشاط الزراعي والتجاري والصناعي أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بصورة غير مسبوقة.
وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، أن السودان يشهد واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، مع استمرار النزاع المسلح الذي دخل عامه الرابع دون أفق واضح لتسوية سياسية شاملة، مؤكداً أن تداعيات الحرب الأهلية لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بل امتدت لتصيب البنية الاقتصادية والاجتماعية والخدمية للدولة السودانية.
وذكر زهدي، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن المشهد الإنساني في السودان اليوم يعكس حجم الكارثة، إذ يواجه ملايين السودانيين أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة نتيجة النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار، فيما تعاني المدن والقرى انهياراً واسعاً في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية والتعليم والكهرباء والمياه، لافتاً إلى أن تراجع النشاط الزراعي والتجاري والصناعي أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، مع استمرار التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والدواء بصورة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن الأزمة في السودان أصبحت ذات طبيعة مركبة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، وهو ما يجعل عملية التعافي أكثر تعقيداً حتى في حال توقف القتال، منوهاً بأن إعادة بناء مؤسسات الدولة والبنية التحتية واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع ستتطلب سنوات طويلة وجهوداً إقليمية ودولية ضخمة.
وقال الخبير في الشؤون الأفريقية: إن «السودان يواجه حالياً تحديات متزايدة في ملف الأمن الغذائي، خاصة مع تعطل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ونقص المدخلات الزراعية، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى العديد من المناطق المتضررة».
وأضاف: يزيد ذلك من مخاطر انتشار المجاعة وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء، في ظل الضغوط الكبيرة الواقعة على المنظمات الإنسانية.
وأشار إلى أنه رغم الجهود التي تبذلها بعض الأطراف الإقليمية والدولية لدفع مسار التهدئة، إلا أن استمرار تعدد المبادرات دون توافق شامل بين الأطراف السودانية أدى إلى إطالة أمد الأزمة، مشدداً على أن أي حل حقيقي يجب أن ينطلق من وقف دائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، ثم إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
وأفاد زهدي بأن الأزمة السودانية تتجه إلى أحد مسارين، الأول هو استمرار حالة الاستنزاف العسكري، وهو السيناريو الأكثر خطورة لما يحمله من مزيد من الانهيار الإنساني والاقتصادي، والثاني هو نجاح الضغوط الإقليمية والدولية في فرض هدنة مستدامة تمهد لمسار سياسي واقعي يضع مصلحة الشعب السوداني فوق أي اعتبارات أخرى.
ولفت إلى أن الأمل يبقى معقوداً على أن يدرك جميع الفاعلين أن استمرار الحرب لن يحقق انتصاراً حقيقياً لأي طرف، بينما ستكون كلفة استمرارها باهظة على السودان وشعبه والمنطقة بأسرها، موضحاً أن السلام لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة إنسانية واستراتيجية لإنقاذ دولة تمتلك من الإمكانات والموارد ما يؤهلها لاستعادة مكانتها متى توقفت الحرب وعادت مؤسسات الدولة إلى أداء دورها الطبيعي.
وفي السياق، أكدت المساعدة السابقة لوزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، السفيرة سعاد شلبي، أن استمرار الصراع المسلح في السودان تسبب في تداعيات مأساوية على حياة الملايين، وسط انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية ومقومات الحياة الطبيعية.
وأوضحت شلبي، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن اتساع رقعة الصراع دفع مئات الآلاف للنزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار بحثاً عن الأمان، مشيرة إلى أن النازحين واللاجئين يعانون أزمةً إنسانيةً متفاقمةً تتجاوز تداعياتها الحدود السودانية.
وشددت شلبي على خطورة استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية لملايين المدنيين، داعيةً منظمات المجتمع الدولي إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الأطراف المتنازعة لوقف إطلاق النار فوراً، وفتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات إلى المتضررين في مختلف مناطق البلاد.