بينما يتابع الأنصار والمشجعون نجاح الأرجنتين في كأس العالم لهذا العام، يُطرح سؤال مألوف: لماذا لا يضم المنتخب الأرجنتيني في تشكيلته لاعبين سوداً أكثر؟ في تباين كبير مع بلدان أخرى من أميركا الجنوبية مثل البرازيل، يبدو الفارق واسعاً بين المنتخب الأرجنتيني لكرة القدم وهذه المنتخبات من حيث تمثيل ذوي الأصول الأفريقية في المنتخب. 
والواقع أن هذه الملاحظة ليست جديدة. ففي 2014، تندّر مراقبون حول كيف أن حتى المنتخب الألماني يضم في صفوفه لاعباً واحداً على الأقل من أصل أفريقي، بينما بدا أنه ليس لدى الأرجنتين أي لاعب أسود خلال نهائي كأس العالم في تلك السنة. وكانت الحكومة الأرجنتينية أطلقت إحصاء للسكان في 2010 وجد أن 149 ألفاً و493 شخصاً كانوا من أصول أفريقية، أي ما يعادل 1 في المئة من سكان البلاد. وبالنسبة لكثيرين، بدا أن تلك البيانات تؤكد أن الأرجنتين أمة بيضاء بالفعل. 
ولكن ما يناهز 200 ألف أسير أفريقي وصلوا إلى سواحل «ريو دي لا بلاتا» خلال الفترة الاستعمارية للأرجنتين، وبحلول نهاية القرن الـ 18، كان ثُلث السكان من السود. كل هذا يشير ليس فقط إلى أن الفكرة التي مفادها أن الأرجنتين أمّة بيضاء غير دقيقة، ولكن أيضاً إلى أن تاريخاً طويلاً من ذوي الأصول الأفريقية بات في صميم تعريف البلاد لنفسها. 
ولدى الأرجنتينيين عدد من الأساطير التي «تفسّر» على ما يفترض غيابَ أرجنتينيين أفارقة الأصل، والتي ترمي إلى حجب عدد من موروثات البلاد التاريخية المستمرة.
والحال أن الأرجنتين تُعد موطناً للكثير من السود منذ قرون - ليس فقط الأشخاص الذين استُعبدوا وأحفادهم، ولكنّ المهاجرين أيضاً. فسكان جزر الرأس الأخضر (الواقعة في المحيط الأطلسي قبالة السنغال) بدأوا يهاجرون إلى الأرجنتين في القرن الـ 19 بجوازات سفرهم البرتغالية بحثاً عن وظائف كعمال مناجم وعمال موانئ. 
ولكن قادة الأرجنتين البيض، مثل دومينغو فوستينو سارمينتو، الرئيس السابق للأرجنتين (1868-1874)، صاغوا سردية مختلفة من أجل محو وجود المكون الأفريقي في البلاد؛ لأنهم كانوا يساوون بين الحداثة واللون الأبيض. وكان سارمينتو ممن يتقاسمون رؤيةً للبلاد تربطها بالإرث الأوروبي بدلاً من الإرث الأفريقي أو إرث السكان الأصليين (الهنود الأميركيين). 
الأرجنتين حظرت العبودية عام 1853 في معظم البلاد وفي 1861 في بوينس آيريس. وحين أصبح تاريخ العبودية من الماضي، ركز قادة الأرجنتين على عملية التحديث، فتطلعوا إلى أوروبا باعتبارها مهد الحضارة والتقدم. وكانوا يؤمنون بأنه كي تلتحق الأرجنتين بمصاف ألمانيا وفرنسا وانجلترا، عليها أن تقوم بتهجير سكانها السود - جسدياً وثقافياً. 
والحق أن هذا لم يقتصر على الأرجنتين. ذلك أن عملية «تبييض» السكان هذه مُورست عبر معظم أميركا اللاتينية، في أماكن مثل البرازيل والأوروغواي وكوبا. غير أن ما جعل قصة الأرجنتين فريدة في هذا السياق هو أنها كانت ناجحة في جهودها الرامية إلى بناء صورتها كبلد أبيض. 
الرئيس السابق سارمينتو قال أواخر القرن الـ 19: «بعد عشرين عاماً من اليوم، سيصبح من الضروري السفر إلى البرازيل لرؤية أشخاص سود». والواقع أنه كان يعرف أن هناك أرجنتينيين سوداً، ولكنه ألمح إلى أن البلاد لن تعترف بهم لمدة طويلة. ثم سرعان ما تغير المشهد الأرجنتيني بعد أن لبّى 4 ملايين مهاجر أوروبي دعوة الحكومة للهجرة إلى البلاد بين 1860 و1914. 
أما في ما يتعلق بسكان البلاد من السود والأميركيين الهنود الذين كانوا في الأرجنتين قبل هذه الهجرة الأوروبية الجماعية، فإن الكثيرين منهم بدأوا يعرِّفون أنفسهم استراتيجياً، باعتبارهم من البيض إن استطاعوا «النجاح» أو الاستقرار في فئات عرقية وإثنية أكثر غموضاً. 
وتشمل هذه الفئات الـ«كريولو» «خلفية سابقة للهجرة ترتبط غالباً بأصول اسبانية أو هندية أميركية»، والـ«موروتشو» (أصحاب اللون الأسمر)، والـ«الباردو» (أصحاب اللون البني)، والـ«تريغينيو» (أصحاب اللون القمحي). ولئن كانت هذه التسميات تصوِّرهم باعتبارهم «آخرين»، فإنها كانت تساعد أيضاً على تمييزهم عن اللون الأسود في وقت كان فيه ذلك أمراً صادراً عن الدولة. 
هذا السرد التاريخي يؤكد أنه إذا كان المنتخب الأرجنتيني ربما لا يضم في صفوفه أشخاصاً منحدرين من أصول أفريقية، أو ربما أشخاصاً ينظر إليهم معظم الناس على أنهم سود، فإنه ليس منتخبا «أبيض» أيضاً. 
وإذا كانت الأرجنتين قد أسقطت الفئات العرقية في سعيها إلى أن يُنظر إليها على أنها أمّة بيضاء حديثة، فإن وجود الأشخاص الذين يوصفون بالـ«موروتشو» يشير إلى هذا التاريخ من عدم الإشارة إلى السكان السود والسكان الأصليين. الـ«موروتشو»، وهي تسمية غير مسيئة، ما زالت مستخدمة في الأرجنتين اليوم. ويستخدم هذا المصطلح، الذي يحيل إلى أصحاب «اللون الأسمر»، كطريقة لتمييز الأشخاص غير البيض. 
ولعل الرجل الأشهر على الإطلاق من بين الـ«موتشو» في الأرجنتين هو أسطورة كرة القدم دييغو مارادونا، الذي سطع نجمه في الثمانينيات والتسعينيات. البلاد أعلنت حداداً وطنياً لثلاثة أيام عندما توفي في نوفمبر 2020. وكانت هذه الأسطورة غير البيضاء أصبحت وجهَ كرة القدم الأرجنتينية، وعلى نحو مثير للسخرية، وجه «أمّة بيضاء». 
والواقع أن عدداً من اللاعبين في المنتخب اليوم من المرجح أن يصنَّفوا باعتبارهم من الـ«موروتشو» في الأرجنتين. غير أن فهم هذا التاريخ يكشف بلداً أكثر تنوعاً بكثير مما يعتقده كثير من الناس. كما أنه يشير إلى الجهود الحثيثة التي بُذلت من أجل تقليل حضور ذوي الأصول الأفريقية قدر الإمكان في محاولة لخلق ما كان العديد من قادة البلاد يتصورونه أمّةً حديثةً. 

إيريكا دنيس إدواردز

كاتبة وأكاديمية متخصصة في تاريخ أميركا اللاتينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنسينج آند سينديكيشن»