قبل أيام تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب منصبه مجدداً، ليطلق إشارات تعكس التوجهات الخارجية لإدارته فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وهي إشارات أثارت القلق لدى الكثيرين في المنطقة. فقد ألغت الإدارة الجديدة العقوبات المفروضة على المستوطنين الإسرائيليين المتورطين في أعمال عنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، في خطوة تشير بوضوح إلى انحياز أميركي صارخ لإسرائيل. وقد تزامنت هذه الخطوة مع تصاعد العنف في المنطقة، حيث قام المستوطنون بحرق قرى فلسطينية احتجاجاً على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس» في قطاع غزة.
ترامب عبّر عن تشاؤمه بشأن استمرارية وقف إطلاق النار في القطاع، معتبِراً أن احتمالية انهياره كبيرة، في الوقت الذي أبدى فيه استعداد الولايات المتحدة لتقديم مساعدات لإعادة إعمار غزة، وهذه المساعدات تبدو كإجراء لاحتواء الانتقادات، لكنها لا تعكس استراتيجية أميركية واضحة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل الأرجح أنه تمثل مجرد مسكنات ذات أثر قصير الأجل.
ووسط هذه التطورات، يبرز تساؤل ملحّ: أين الدور العربي الفاعل في مواجهة هذه التحديات؟ يبدو أن معظم الدول العربية تقف في موقف المتفرج أمام تحركات القوى الدولية والإقليمية إزاء منطقة الشرق الأوسط، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تكامل إقليمي حقيقي قادر على مواجهة الأزمات المتفاقمة، وذلك لأن الأزمات السياسية والاقتصادية، وحتى البيئية، المتصاعدة في هذا الجزء من العالم، تتطلب مقاربة شاملة ومشتركة للخروج من دائرة الفوضى والخراب.
إن التكامل الإقليمي الشرق أوسطي ليس مجرد رفاهية، بل هو الآن ضرورة استراتيجية لتحقيق الاستقرار والتنمية. وعلى سبيل المثال، فإن التعاون في مجال الطاقة المتجددة يمكن أن يوفر حلولاً مستدامةً للأزمات الاقتصادية.
إن إنشاء سوق عربية مشتركة للكهرباء، وفقاً لدراسات اقتصادية، يمكن أن يحقق وفورات مالية ضخمة تصل إلى 196 مليار دولار بحلول عام 2035. وهذا النوع من المشاريع ليس اقتصادياً فقط، بل هو كذلك خطوة مهمة لتعزيز الروابط التكاملية بين دول المنطقة.
وعلى الصعيد السياسي، يجب أن تكون هناك مبادرات عربية لملء الفراغ الذي تتركه القوى الدولية، وتحقيق ذلك يتطلب وحدة في الرؤية والتوجه، بعيداً عن الحسابات الضيقة. وعلينا في هذه المنطقة أن ندرك أن مستقبلها لن يُصنع بأيدي القوى الخارجية، وإنما فقط بأيدي وجهود أبنائها.
إدارة ترامب، بتوجهاتها الحالية المعلنة، قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي إذا لم تتدارك الدولُ العربية الأمرَ، وعلى هذه الدول أن تأخذ زمام المبادرة لإعادة صياغة دورها بما يتناسب مع التحديات الراهنة. هذا الدور يجب أن يكون مبنياً على أسس واقعية، تأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة، وتتبنى سياسات أكثر استقلالية.
وفي الختام، يمكن القول، إن غياب الدور العربي الفاعل ليس مجرد تقصير، بل هو خطر يهدد استقرار المنطقة، والوقت الآن هو الظرف الزمني الأنسب لإعادة النظر في سياساتنا واستراتيجياتنا، كي نكون شركاء حقيقيين في صياغة مستقبل الشرق الأوسط، بدلاً من أن نكون مجرد منفعلين أو متأثرين بما يفعله الآخرون.

*كاتب أردني مقيم في بلجيكا