لا أعتقد أن ثمة مبالغة في القول بأن العالم كله يترقب خطوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحظة بلحظة، والسبب معروف ومتعدد الأبعاد، فهو أولاً رئيس أقوى دولة في العالم، ولذلك فإن تصرفاته لا بد أن تكون لها تأثيراتها المهمة في الساحة الدولية، وخبرة ولايته الأولى ثانياً تشير إلى أنه إذا قال فعل، كما تفيد تجربته مع حلف الأطلنطي وإسرائيل، كما أنه طرح ثالثاً توجهات واضحة بشأن عدد من القضايا المهمة في الساحة الدولية، كتصريحاته عن نيته ترحيل كل المهاجرين غير الشرعيين من بلاده، وكذلك رغبته في إنهاء الصراعات والحروب، سواء الحرب الدائرة حول أوكرانيا أو الصراع في الشرق الأوسط، أو حديثه المتكرر عن استعادة العظمة الأميركية، وارتباط ذلك الواضح بتوجهه لتأسيس علاقة بلاده بالآخرين على أساس عطائهم المالي لها من خلال التجارة والاستثمار وغيرهما.
ونذكر أن البعد المالي أثّر كذلك على موقفه من حلفائه الأوربيين في حلف الأطلنطي في ولايته الأولى، أو توجهاته الجديدة التوسعية باتجاه بنما وجرينلاند، بل وكندا، وكلها قضايا تنطوي على تفاصيل وتعقيدات واحتمالات مواجهات عديدة، ناهيك عن أن بعضها، كحديث بنما وجرينلاند وكندا، لم يكن متوقعاً، وصحيح أننا تعودنا من ترامب أن يتبع القول بالفعل، ولكن الفعل في معظم تلك القضايا، إنْ لم يكن فيها جميعاً، ينطوي على صعوبات واضحة تجعل من تنفيذ توجهاته السابقة عملية محفوفة بالتعقيدات وعدم اليقين.
وتبدو التعقيدات المحيطة بتنفيذ هذه التوجهات أحياناً إجرائية الطابع، وأحياناً قانونية وسياسية، وعلى سبيل المثال، فإن تنفيذ هذه التوجهات بخصوص ترحيل المهاجرين غير الشرعيين ينطوي أساساً على صعوبات لوجستية، باعتبار أن هذه التوجهات لها سند قانوني، طالما أنهم لم يدخلوا الولايات المتحدة بطريقة شرعية، ولم يصححوا أوضاعهم، لكن ترحيل الملايين يتطلب أولاً حصرهم وملاحقتهم. وثانياً تحديد الوجهة التي سيُرسلون إليها، وبالطبع موافقة سلطات الدول التي يُفترض أن تستقبلهم، ولنا أن نتصور التعقيدات التي ستنجم عن هذه العمليات.
أما مسألة إنهاء الصراع في أوكرانيا فهي تتطلب جهداً فائقاً، وذلك لأنها سوف تتضمن بالتأكيد تسويات غير مألوفة، من منظور أنها لن تكون تطبيقاً صريحاً لقواعد القانون الدولي المستقرة، وإنما ستوجد أوضاعاً جديدة تقبل تغيير حدود قائمة بحجج تاريخية أو سكانية، ناهيك عن ما سوف تتطلبه من معالجة لمعضلة الضمانات الأمنية المتبادلة وتعويضات الحرب، ومواجهة للاعتراضات المحتملة من هذا الطرف أو ذاك، كذلك فإن تصورات ترامب مثلاً عن تهجير نصف سكان غزة على الأقل إلى خارجها غير مقبولة من الأطراف المعنية بهذا التهجير، سواء سكان غزة أنفسهم الذين يرفضون الفكرة بالمطلق، أو الجهات التي يُفْتَرَض أن تستقبلهم وعلى رأسها مصر، وكل هذا دون ذكر مجافاة الفكرة للقانون الدولي أصلاً.
أما المطالبات الإقليمية المفاجئة لترامب تجاه بنما والدانمرك وكندا، فليس هناك عاقل يتصور إمكانية موافقة هذه الدول عليها، أو احتمال أن يلجأ ترامب للقوة لتنفيذها، لما سوف يترتب على ذلك من تعقيدات ومساس هائل بالمكانة الأميركية، والخلاصة أن طريق ترامب لتنفيذ توجهاته لن يكون مفروشاً بالورود، خاصة أن كافة الأطراف المعنية بتوجهاته لا بد أنها تتحسب لخطواته القادمة وتستعد لها.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


