لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لتوازنات المنطقة واستقرارها. فاستهداف القيادة العليا الإيرانية، وعلى رأسها المرشد، نقل الحرب إلى مرحلة غير مسبوقة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والداخلية، وتكشف هشاشة بنية النظام تحت الضغط. على المستوى العسكري، برز التفوق الأميركي الإسرائيلي بوضوح من خلال دقة الضربات واستهداف مراكز حساسة داخل إيران، ما أدى إلى إرباك واضح في منظومة القيادة والسيطرة.
هذه العمليات لم تكن مجرد رد عسكري، بل رسالة استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ إيران، خاصة في ظل دورها المستمر في زعزعة استقرار عدد من دول المنطقة. ورغم ذلك، لم يتحقق الحسم؛ لأن إيران لجأت إلى أسلوب الاستنزاف، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومحاولة نقل المعركة إلى خارج حدودها. إلا أن هذا النهج لم يعكس قوة بقدر ما عكس محاولة لتوسيع دائرة التوتر، وتحميل المنطقة كلفة صراع لا يخدم استقرارها. وفي هذا السياق، برزت دول الخليج العربي كعامل استقرار حقيقي، حيث نجحت في التصدي لموجات متتالية من الاعتداءات الجوية بكفاءة عالية.
وقد كانت دولة الإمارات في قلب هذا المشهد، إذ تشير المعطيات إلى أنها كانت من أكثر الدول تعرضاً للاعتداءات، ومع ذلك تمكنت من تحقيق واحدة من أعلى نسب اعتراض للصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة، ووصلت في بعض الحالات إلى نسب شبه كاملة. هذا الأداء يعكس تطوراً نوعياً في منظومات الدفاع الجوي الإماراتية، التي أثبتت قدرتها على التعامل مع اعتداءات مكثفة ومعقدة، شملت مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيّرة، دون تأثير استراتيجي على استقرار الدولة أو بنيتها التحتية الحيوية. ولم يكن ذلك وليد اللحظة، بل نتيجة استثمار طويل في بناء قدرات دفاعية متقدمة، وشراكات استراتيجية، وجاهزية عملياتية عالية.
في المقابل، كشفت الأحداث عن تصدعات داخلية في إيران، حيث ظهرت احتجاجات ومظاهر رفض غير مسبوقة عقب استهداف القيادة، ما يعكس فجوة متزايدة بين الشعب والنظام. ومع تدخل الحرس الثوري بقوة لقمع هذه التحركات، يتضح أن النظام يواجه أزمة داخلية حقيقية، وأن استمراريته باتت تعتمد بشكل متزايد على أدوات القوة. هذا التداخل بين الضغط الخارجي والداخلي يضع إيران أمام تحدٍّ استراتيجي غير مسبوق، حيث لم تعد المواجهة على النفوذ فقط، بل على بقاء النظام نفسه. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تلجأ الأنظمة إلى التصعيد الخارجي لصرف الانتباه عن أزماتها الداخلية، وهو ما يستدعي الحذر من أي توسع إضافي في الصراع.
في المحصلة، لم تحقق الحرب حسماً عسكرياً حتى الآن، لكنها كشفت بوضوح معادلة جديدة: أن التفوق العسكري وحده لا يكفي، وأن الاستقرار الحقيقي يُبنى على قوة الدولة داخلياً وقدرتها على حماية نفسها. وفي هذا السياق، أثبتت الإمارات ودول الخليج أنها ليست مجرد ساحة للصراع، بل نموذج لدول قادرة على الدفاع عن أمنها واستقرارها بكفاءة واقتدار.
وفي عالم مضطرب، يبقى الرهان الحقيقي على الدول التي تملك القدرة على حماية شعوبها، والحفاظ على استقرارها، بعيداً عن سياسات التصعيد التي لا تقود إلا إلى مزيد من الأزمات.
*لواء ركن طيار متقاعد


