ليس من عادتي التسرع في التعليق على أي حدث قبل الإلمام بتفاصيله والإحاطة بكل جوانبه، ومن هذا المنطلق لم أُعلِّق على قرار الإمارات بالخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» ومجموعة «أوبك+»، حتى أتابع حيثيات القرار وأستمع جيداً للمختصين وأصحاب الشأن في هذا الملف الكبير، لفهم الدوافع التي أدت إلى اتخاذ القرار ومغزى توقيت صدوره. 
وأتعجّب كثيراً من تعامل البعض مع القرار باعتباره مفاجئاً، في حين تؤكد الشواهد التي يعلم أدق تفاصيلها المعنيّون بشؤون الطاقة حول العالم، أن الإمارات تخطط لهذا الأمر منذ سنوات في العلن، فليس لدينا ما نخفيه أو نخشاه ولا يستطيع أحد أن يُملي علينا ما لا يوافق رؤيتنا أو ينسجم مع مصالحنا الوطنية. 
 لا يزعجني أن يعارض - أو حتى يهاجم البعض- القرار، لكن ينبغي على مَن يقوم بالنقد أن يكون على دراية كافية بأبعاد القضية، أو على الأقل يستمع جيداً لأصحاب الشأن من المختصين، علّه يفهم قبل أن ينطق بما لا يعرف فيكشف عن جهله أوخبث مقصده.
لم يكن القرار الإماراتي «السيادي» بالخروج من أول مايو الجاري، وليد اللحظة أو مجرد ردّ انفعالي مرتبط بما تشهده المنطقة من حروب معلنة وخفية تستهدف أمنها واستقرارها ورفاهية شعوبها، ومشروعاتها التنموية وخططها نحو البناء والتقدم.
فليس سراً أن أبوظبي وخلال السنوات الماضية استثمرت 150 مليار دولار في قطاع الطاقة، وتلك هي رؤيتها واستراتيجيتها المعلنة، ومن ثم، فنحن أمام قرار تمّت دراسته بعناية فائقة ومنطلقاته وطنية بحته، وقد جاء بعد مراجعة مستفيضة لسياسة الدولة الإنتاجية وقدرتها الحالية والمستقبلية، انسجاماً مع التزامها بالمساهمة بشكل فعّال في تلبية احتياجات السوق، ومن البديهي أن القيادة تحسّبت لآثار القرار وأبعاده في مختلف الاتجاهات. 
وليس بعيداً عن هذا القرار ما أعلنته «أدنوك» - ذراع الإمارات الأهم في مجال الطاقة - خلال ملتقى «اصنع مع أدنوك» قبل أيام، عن تسريع تنفيذ خططها للنمو باستهداف ترسية مشروعات بقيمة 55 مليار دولار، ضمن خطة الشركة للاستثمارات خلال السنوات الخمس المقبلة، والتي أقرّها مجلس إدارتها العام الماضي.
لا شكّ أن القرار أحدث صدى واسع النطاق، وهو الأمر الذي يعكس ثقل ووزن الإمارات في سوق الطاقة العالمي، وقدرتها على إدارة دفّة الأمور فيه، وقد كان لافتاً في أعقاب صدوره ما شهدته أسهم قطاع الطاقة في سوق أبوظبي للأوراق المالية من نشاط قوي في جلسات التداول، لاسيما مجموعة شركات أدنوك، وقلّص خام برنت مكاسبه إلى 103.75 دولار للبرميل بارتفاع نسبته 2.03%، وأيضاً تباطأ ارتفاع سعر برميل خام «غرب تكساس الوسيط» الأميركي إلى 99.64 دولار بنسبة 3.39%.
وعلى الرغم من أنها ليست أول دولة تنسحب من المنظمة، إلا أنه من الطبيعي أن تتأثر «أوبك» بخروج الإمارات، فالأمر يُشكِّل تحدياً كبيراً للمنظمة التي تفقد أحد أهم أعضائها وأكثرهم استقراراً، فالإمارات ثالث أكبر منتج عربي، وتنتج نحو 3.2 مليون برميل يومياً داخل المنظمة، وخروجها يعني أن «أوبك» تفقد ما يقارب 10% من إنتاجها الجماعي.
ومن جميل سجايا الإمارات وقيادتها الرشيدة أنها في لحظة إعلان قرار الخروج من المنظمة، حرصت على طمأنة المجتمع الدولي بتأكيدها على أن الخروج لا يعني تخليها عن مسؤولياتها في السوق العالمي، مجددةً التزامها باستقرار السوق النفطي، واستمرارها في تلبية احتياجات شركائها.
رسالة الإمارات إلى الجميع تؤكد بوضوح لا لبس فيه، أن هذا القرار لا يغيّر التزامها الُمعلَن باستقرار الأسواق العالمية أو نهجها القائم على التعاون مع المنتجين والمستهلكين، بل يعزّز قدرتها على الاستجابة لمتطلبات السوق المتغيرة، وسوف تواصل دورها المسؤول بما يتماشى مع الطلب وظروف السوق. وأنه (أي القرار) ليس موجّهاً ضد هذا الطرف أو ذاك، ولا يعكس خلافاً مع قريب أو بعيد، بل هو قرار اقتصادي وتقني وسيادي بامتياز، فرضته المصلحة الوطنية الإماراتية، وحسمته لغة الأرقام، لا حسابات السياسة.
لقد قطعت الدولة شوطاً كبيراً في تنويع مصادر الطاقة (خاصة في مجالات الطاقة النظيفة وغير التقليدية)، من خلال استثمارات واسعة داخل الدولة وخارجها، ويشهد اقتصادنا نمواً قوياً، حيث سجّل الناتج المحلي الإجمالي مستويات مرتفعة تجاوزت 3.8 تريليون درهم قبل الموعد المستهدف، مدفوعاً بزيادة الصادرات غير النفطية، وهو ما يعزّز التوقعات بمواصلة النمو خلال الفترة المقبلة.
 فأبشروا.