كان الرئيس دونالد ترامب وإيلون ماسك محقين تماماً في أن برامج المساعدات الأميركية تستحق التدقيق والإصلاح. ومع ذلك، فإن ما حققه هذان المليارديران حتى الآن هو الإضرار بأفقر أطفال العالم ممن يعيشون في دوامة من الفوضى والقسوة.
بعد عقود من العمل في تغطية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، تواصلتُ مع جهات الاتصال الخاصة حول العالَم للحصول على القصة الحقيقية عن عملية الهدم التي قام بها ترامب وماسك. في سوكوتو، بنيجيريا، يعاني الأطفال الصغار من الجوع لأن مراكز التغذية الطارئة المدعومة من الوكالة نفدت منها العجينة الغنية بالمغذيات التي تُستخدم لإنقاذ حياة الأطفال الذين يعانون سوءَ التغذية الحاد. وهناك مستودعات قريبة تحتوي على هذه العجينة، لكنها لا تستطيع الإفراج عنها دون تصريح من الوكالة التي أصبحت في حالة من الفوضى لدرجة أنها لا تستطيع إصدار التصاريح. وقالت «إيرين بويد»، المستشارة السابقة للتغذية في الوكالة، والتي أخبرتني عن الوضع هناك: «يمكن أن يموت آلاف الأطفال».
وفي أوغندا، انتشر فيروس «إيبولا» في ثلاث مدن. وقد ناشدت الحكومة الأوغندية العاملين الطبيين، الذين كانوا يتقاضون رواتبهم من وكالة «يو إس إيد»، «الاستمرار في العمل بروح الوطنية كمتطوعين». وأخبرني طبيب أنه مع غياب الوكالة الأميركية، هناك خطر أكبر من انتشار «إيبولا»، وربما حتى إصابة الأميركيين به. وهذا تذكير بأن وجود وكالة قوية مثل «يو إس إيد»، يمثل خطَّ الدفاع الأول ضد الأوبئة والجوائح، سواء أكانت إنفلونزا الطيور أم إيبولا أم غيرهما من الأمراض المعدية.
إنني أستشهد بهذين المثالين لأن الأول يعبّر عن القيم الإنسانية، والثاني يخدم مصلحتنا الوطنية، فالوكالة الأميركية للتنمية الدولية هي الجهة التي توحد الاثنين. وتتدفق التقارير عن الفوضى من جميع أنحاء العالم، حيث أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الإغلاق الفعلي للوكالة أوقف فجأة 30 تجربة سريرية، مما ترك المرضى في حالة من الضياع. وفي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تم تركيب حلقات داخلية تجريبية للنساء لمنع الحمل وللحماية من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، لكن المشارِكات أصبحن الآن بمفردهن. النساء والأطفال هم المستفيدون الرئيسيون من المساعدات الإنسانية، لذا فهم أكبر الضحايا لقرار وقف المساعدات.
ووفقاً لمعهد جوتماخر، يؤدي وقف المساعدات إلى حرمان 130 ألف امرأة يومياً من الحصول على وسائل منع الحمل. وإذا استمر تجميد المساعدات لمدة ثلاثة أشهر، ولم تتم استعادة خدمات تنظيم الأسرة هذا العام، فسيكون هناك 4.2 مليون حالة حمل غير مقصود، و8300 وفاة بين النساء أثناء الحمل والولادة، بحسب تقديرات المعهد. إن موظفي وكالة «يو إس إيد»، الذين انضم معظمهم إلى الوكالة على أمل جعل العالم مكاناً أفضل، في حالة من الألم.
ومن المؤسف أن يموت الأطفال جوعاً وتموت الأمهات أثناء الولادة، لكن كيف يمكننا تطهير الوكالة من جميع «المحتالين» الذين أشار إليهم ماسك واصفاً الوكالة نفسها بأنها «منظمة إجرامية»؟ للأسف، لا يبدو أن ماسك تحقق من حالة احتيال واحدة حتى الآن. يبدو أن المخالفة القانونية الوحيدة هي هجوم ترامب على وكالة أنشأها الكونجرس، وليس لديه أي سلطة قانونية لإغلاقها.
قد يكون تدمير الوكالة انتهك سلسلةً كاملةً من القوانين الفيدرالية، ناهيك عن الدستور. وللإنصاف، فقد استشهد «الجمهوريون» بعدة أمثلة لما يصفونه بالإهدار، لكنها لا تبدو مقنعةً، ومعظمها لا يتعلق بالوكالة الأميركية للتنمية الدولية على الإطلاق. لكن دعونا نعترف بأن بعض أموال المساعدات لم تُستخدم على النحو الأمثل على مر السنين. على أية حال، يبدو أن ترامب وماسك جعلا الهدرَ أكثر خطورة. فقد حذّر المفتش العام للوكالة من أن أكثر من 489 مليون دولار من المساعدات الغذائية تُركت في طي النسيان، وهي الآن معرضة لخطر التلف. لقد أصبح الأمر أكثر خطورة.
وأضاف المفتش العام أن موظفي مكافحة الإرهاب في الوكالة طُلب منهم عدم الحضور إلى العمل، مما يزيد خطر تحويل المساعدات إلى الجماعات الإرهابية. ولطالما انتقدت الصين الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وقد احتفل الإنترنت الصيني بانهيارها. هذا لأن الوكالة، كما أشار السيناتور الجمهوري «توم كوتون» في عام 2021، هي «أداة استراتيجية لمواجهة الصين» في المنافسة العالمية على النفوذ.
وأشار سيناتور آخر إلى أن الوكالة «ضرورية لأمننا القومي» وأداة قوية «لمواجهة الحزب الشيوعي الصيني». ومؤخراً، تمت ترقية هذا السيناتور، ماركو روبيو، إلى منصب يمكنه من خلاله الدفاع عن الوكالة إذا ظل متمسكاً بمبادئه.
إن تدمير الوكالة مأساة إنسانية. ومن شبه المؤكد أن أفقر سكان العالم يموتون بالفعل بسبب القرارات التي اتخذها أغنى سكان العالم. في كسمايو، بالصومال، اضطر مستشفى يخدم 3000 شخص شهرياً إلى إغلاق أبوابه، وفقاً لأحد عمال الإغاثة، ويتم الآن نقل المرضى على عربات الحمير أو في عربات يدوية. وفي القضارف، بالسودان، قيل لي إن المستشفى الوحيد في المنطقة القادر على إجراء العمليات القيصرية، قد يغلق في غضون شهر واحد، مما يعني أن النساء اللائي يعانين من تعسر الولادة قد يمتن.
كانت ميانمار على وشك القضاء على الملاريا، لكن من دون الدعم الأميركي يتوقع أن يعود المرض، مما «يهدد سنوات من التقدم»، وفقاً لأحد عمال الإغاثة. أعتقد أن الهجوم على الوكالة الأميركية للتنمية الدولية هو اختبار لشن هجوم على شريان الحياة للفقراء هنا في الولايات المتحدة، وخاصة على برنامج «ميديكيد» الذي يرغب بعض الجمهوريين في تقليصه لدفع تكاليف التخفيضات الضريبية للأثرياء.
ولهذا السبب من المهم بشكل خاص أن يدافع الأميركيون عن المساعدات الإنسانية على المستوى الدولي، حيث تلتقي مصالحنا بقيمنا. يسألني القراء باستمرار عما يمكنهم فعله. أقول لهم: اتصلوا بأعضاء الكونجرس والبيت الأبيض لحثهم على إصلاح الوكالة وليس تدميرها.
ينشر بترتيب خاص مع «نيويورك تايمز


