تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة نموّاً متسارعاً في استثماراتها الخارجية، تقوده جهات حكومية وشبه حكومية وكبرى الشركات العائلية المحلية، بالتوازي مع استراتيجية طموحة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى داخل الدولة.
وأمام هذا الحراك الاقتصادي تزداد حاجة القطاعات المالية والتجارية إلى خبرات قانونية متقدّمة، خصوصاً في مجالات الاندماج والاستحواذ والتمويل الهيكلي وصياغة العقود الاستثمارية والمالية المعقّدة، إلا أنّ محدودية الخبراء الإماراتيين المتخصصين بهذه المجالات تفرض اعتماد منصّات حديثة تعزز استقطاب المواهب الإماراتية الشابة إلى قطاع الاستشارات القانونية المتقدمة، وصقل مهاراتها، بما يواكب طموحات الدولة الرامية إلى تطوير بيئة استثمارية عالمية المستوى. وفي هذا السياق، فإن «مسرّعات الريادة القانونية» مفهوم يبرز كون هذه المسرعات حاضنات أعمال مصمّمة خصيصاً لدعم المحامين الإماراتيين الشباب، والمكاتب القانونية الناشئة الطامحة إلى التميّز في الاستشارات المالية والتجارية المعقّدة والشراكات الدولية والاستثمارات العالمية.
وتقوم هذه المسرّعات على توفير بيئة متكاملة تضمّ مساحات عمل حديثة، وخدمات دعم متخصّصة، وبرامج تدريب مكثّفة يشرف عليها نخبة من المتخصصين الإماراتيين، مثل الدكتور حبيب الملا، والمستشار عصام التميمي، وغيرهما من الكفاءات الوطنية المعروفة، إضافةً إلى خبراء قانونيين دوليين متمرّسين في شؤون الامتثال والحوكمة، وتمويل المشروعات العابرة للحدود.
وعبر هذه المنصّات، ينخرط القانونيون الشباب في تجارب عملية تتناول آليات الاندماج والاستحواذ، وصفقات التمويل المعقّدة، ما يمهّد لهم الطريق إلى تأسيس شركات استشارات قانونية تنافس بكل جدارة في الميدان العالمي. ولكي تنجح هذه المبادرة على أرض الواقع، لا بدّ من شراكات وثيقة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمكاتب الدولية.
ويمكن تفعيل هذه الشراكات عبر منصّات رسمية أو برامج مشتركة توفّر الإرشاد والتوجيه المكثف، وتنظّم مسابقات قانونية محلية وإقليمية تستقطب الأفكار المبتكرة، بحيث تعزّز تلك الفعاليات فرص تواصل القانونيين الواعدين مع المستثمرين، ما يفتح الباب أمامهم للإسهام في مشروعات استراتيجية، وتطوير خبرات أوسع في المجالات المالية والتجارية والاستثمارية.
وعلى صعيد آخر، وبالنظر إلى الطابع الديناميكي للتشريعات الاقتصادية في مختلف دول العالم، تبرز أهمية ربط هذه المسرّعات الريادية بآخر مستجدّات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك تضمين برامج تدريبية متقدّمة على العقود الذكية (Smart Contracts)، وتقنيات الإدارة الرقمية للمكاتب القانونية، إضافة إلى عقد ندوات ومؤتمرات متخصصة تجمع القانونيين الشباب بالمستثمرين وأصحاب المشروعات العالمية، بما يضمن تبادل الخبرات، وإطلاع الرواد الشباب على أحدث الممارسات القانونية في الأسواق الدولية.
وختاماً، تمثّل «مسرّعات الريادة القانونية» خطوة استراتيجية نحو إيجاد قاعدة قانونية إماراتية متطوّرة، تقودها كوادر شابّة تجمع بين الدراية النظرية والخبرة العملية، ومن شأن هذه الخطوة أن تسهم في تحقيق طموحات الدولة الاقتصادية، وترسيخ سمعتها بصفتها مركزاً ماليّاً رائداً إقليميّاً ودوليّاً. ولا شكّ في أن استمرار هذه المبادرة مرهون بالتزام مختلف الأطراف المعنيّة بتكامل جهودها، وسعيها الدؤوب نحو بناء نموذج قانوني يُحتذى به في إدارة المعاملات المالية والتجارية المستقبلية.


