مما لا شك فيه أن التطورات المتزايدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي لها تأثير واضح على مختلف قطاعات الحياة، وذلك من خلال دمجها في مجالات متعددة مثل الخدمات الصحية والتعليم والبنوك، والتجارة، والمجال العسكري، وغيرها.

ولكن هذه التطورات لا تتحقق بمعزل عن المخاطر، وفي مقدمتها المخاطر الأخلاقية، والتي لها تأثير على حياة البشر. ومثلما استعرضنا سابقاً أهمية الذكاء الاصطناعي وتأثيره على سوق العمل والحاجة لدمجه في مؤسسات التعليم العام والعالي، فإنه من الأهمية بمكان أن نلقي الضوء أيضاً على المخاطر الأخلاقية التي تنتج عن استخدامه في حياتنا. وأول تلك المخاطر هي «الخصوصية»، إذ إنه من المعلوم أن تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي يتطلب الوصول إلى كميات هائلة من البيانات، بما في ذلك المعلومات الشخصية الحساسة.

ويتركز الخطر الأخلاقي هنا في خلق التوازن بين جمع هذا البيانات وبين ضمان استخدامها وحمايتها لمنع انتهاكات خصوصية الأفراد والمنشآت. فمع تنامي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي وشموليتها في جمع البيانات وتحليلها، يكاد الخط الفاصل بين أمن المعلومات ومراقبة عدم انتهاكها الخصوصية يتلاشى.

ومن أمثلة ذلك التعرف على الوجوه إلى أجهزة المنازل الذكية، واحتمالية التلاعب في الانتخابات واختراق بيانات الشركات. والخطر الثاني هو التحيز والتمييز، إذ تتوقف دقة قرارات ومخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي على مدى جودة ونجاح تدريبها. لذلك قد تقوم تلك الأنظمة بتضخيم مخرجاتها وعدم التفرقة بينها، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة أو تمييزية، لا سيما في التوظيف والإقراض وبرامج إنفاذ القانون.

والخطر الثالث الأخلاقي يتمثل في الشفافية والمساءلة، إذ تُعتبر العديد من خوارزميات الذكاء الاصطناعي، خاصةً نماذج التعلم العميق، بمثابة «صناديق سوداء» نظراً لصعوبة فهمها أو تفسيرها، الأمر الذي يُحيط قراراتها ومخرجاتها بالغموض والجهل أحياناً بأسبابها ودوافعها. لذلك قد يكون من الصعب تحديد المسؤول عند ارتكاب نظام الذكاء الاصطناعي خطأ أو التسبب في ضرر. والخطر الرابع هو الاستقلالية والتحكم، فكلما تزايدت استقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي، كلما تنامت أيضاً مخاوف بشأن احتمال فقدان السيطرة البشرية. والخطر الخامس هو الأمن وإساءة الاستخدام، إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض خبيثة، مثل الهجمات الإلكترونية، وإنشاء التزييف العميق. ومن جانب أكثر تفصيلاً للمخاطر الأخلاقية، على سبيل المثال يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، مثل أدوات التشخيص وتوصيات العلاج، مخاوف أخلاقية تتعلق بخصوصية المرضى وأمن البيانات.

وفي مجال العدالة الجنائية، يمكن أن يؤدي استخدامه في أعمال الشرطة التنبؤية، وتقييم المخاطر، وقرارات إصدار الأحكام إلى ترسيخ التحيزات وإثارة تساؤلات حول الإجراءات القانونية الواجبة والعدالة. وفي مجال التأثير البيئي، يمكن أن يكون للموارد الحاسوبية اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي تأثير بيئي كبير، خاصة في مجال البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة.

وفي مجال التعليم، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، مثل التصنيف الآلي والتعلم الشخصي، مخاوف بشأن خصوصية البيانات وجودة التعليم، ودور المعلمين البشر. والمحصلة النهائية، هي حقيقة وجود المخاطر الأخلاقية المُصاحبة لاستخدامات برامج الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يطرح السؤال الأكثر أهمية وهو ما دور الحُكم البشري في بيئة تلك البرامج؟!

*باحث إماراتي