المتابع لتفاصيل الأزمة السودانية وتطوراتها، منذ اندلاع الصراع بين القوات المسلحة السودانية و«الدعم السريع»، يدرك تماماً أن الضجيجَين السياسي والإعلامي، والمزاعم القانونية التي تردّدها القوات المسلحة السودانية بحقّ دولة الإمارات، أو غيرها من الدول، ليسَا سوى «دخان كثيف»، تحاول هذه القوات توظيفهما للإفلات من المسؤولية الجنائية والقانونية عن الانتهاكات التي تُرتكَب يوميّاً ضد الشعب السوداني، وصرف أنظار العالم عن هذه الانتهاكات، والتملّص من التجاوب المفترض مع جهود وقف إطلاق النار والانخراط في محادثات جادّة، وصولاً إلى تحقيق السلام، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية لملايين المحتاجين.
لا أعتقد بأن العالم بحاجة إلى أكثر من استنتاجات التقرير النهائي لفريق الخبراء الأممي المعنيّ بالتحقيق في مزاعم القوات المسلحة السودانية ضد دولة الإمارات، حيث جاء الردّ قاطعاً من خلال شهادة التقرير «لم يتمكّن فريق الخبراء من تأكيد نقل أي عتاد عسكري من أم جرس إلى دارفور»، مشيراً إلى غياب أي أدلّة موثوقٍ بها تُثبت تورّط دولة الإمارات كما تدّعي القوات المسلحة السودانية، ومؤكِّداً أن الرحلات الجوية المتّجهة من تشاد كانت ذات طابع إنساني كامل.

وما زاد الطين بلّة بالنسبة للقوات المسلحة السودانية هو تزامن ذلك مع كشف سُلطات دولة الإمارات عن إحباط محاولة تمرير عتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وإلقاء القبض على خليّة متورطة في عمليات الوساطة والسمسرة والاتجار غير المشروع في العتاد العسكري، لتتكشّف أبعاد المؤامرة الحقيقية، ويُفتضح تماماً دور «الضحية»، التي يحاول قادة القوات المسلحة السودانية المتدّسرين برداء «الإخوان» الاختفاءَ بداخله.
نسْف مزاعم القوات المسلحة السودانية، عبر تقرير لجنة التحقيق الأممية، يجب أن يُعيد الاهتمام ويركّز الأنظار والجهود بسرعة على أصل الكارثة في السودان، حيث لا وقت أكثر كي يُهدره الجميع في الاستماع إلى مزاعم القوات المسلحة السودانية، وتجاهل الحقائق والجهود الصادقة والمخلِصة التي تبذلها دولٌ عدة، في مقدّمتها دولة الإمارات، للبدء على الفور في البحث عن حلول لتسوية النزاع وإيقاف الحرب، فالشرق الأوسط يعيش أزمات عديدة، ومن مصلحة دولة الإمارات، وغيرها، إطفاء هذه الأزمات جميعها، حيث لا بديل عن الأمن والاستقرار لتوفير البيئة الإقليمية اللازمة، كي نواصل مسيرتنا التنموية، ونَمضي في تحقيق أهدافها التنافسية لتحقيق تطلّعات وطموحات الشعب الإماراتي.
لقد أثبتت الأحداث في السودان، كما في دول أخرى مثل الأردن، أن تنظيم «الإخوان» ليس سوى أداة لنشر الفوضى وزعزعة الاستقرار.

ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق بين الحكومات والمجتمعات العربية لمواجهة هذه التهديدات، والحيلولة دون استعادة نفوذها تحت أي غطاء سياسي أو ديني، فحماية الدولة الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي مسؤولية جماعية لا تَحتمل التهاون أمام مخاطر الفكر المتطرف.

كما تبرز أيضاً أهمية تواصل المجابهة الفكرية ضد الأيديولوجيا المتطرفة، التي يمثّلها تنظيم «الإخوان». وقد جاء إصدار الجزء الرابع عشر من موسوعة «الإخوان المسلمون»، التي يُصدرها مركز تريندز للبحوث والاستشارات، ليُجسّد هذه الرؤية، من خلال تحليل مستقبل الإسلام السياسي، وعلى رأسه الإخوان، وتراجع نفوذه في ظل فقدان الحواضن الاجتماعية والدعم السياسي.
وأخيراً، لا يمكن أن يبقى مصير الشعب السوداني رهن أطماع تحالف إجرامي بين القوات المسلحة وتنظيم إرهابي وفلول أنظمة بائدة تتحالف جميعها وتزجّ بالسودان في أتون صراع كارثي لا تقتصر تداعياته على الجانب الإنساني، وهو أمر جلَل وله أولوية قصوى، بل تطال الإقليم بأكمله، حيث تتشابك أطراف الأزمة السودانية وتتداخل مع غيرها من الأزمات ليصبح المشهد الشرق أوسطي قاتماً للغاية، ويصبح الخروج من هذا العبث فريضة على الجميع، إقليمياً ودولياً.


*الرئيس التنفيذي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات