الدولة الوطنية الحديثة منذ نشوئها الحديث تراوحت بين ملكياتٍ حكيمةٍ وجمهوريات ثوريةٍ، وعلى اختلاف الأطوار وتقلب الأحوال تجد في كل سياسةٍ وكلٍ مرحلةٍ وكل قضيةٍ أن الملكيات العربية كانت تتخذ مواقف تتسم بالعقلانية والواقعية، بينما هامت الجمهوريات الثورية بعد الانقلابات العسكرية - على ما بينها من اختلافاتٍ أيديولوجية أو شخصيةٍ - في الشعارات والمزايدات والهزائم المتوالية.
تسربت في الأيام الأخيرة أحاديث متعددة لجمال عبدالناصر الذي أطاح بالملكية المصرية، وما تلا بذلك من انقلابات شبيهة على بعض الملكيات العربية، وبدا عبدالناصر في هذه التسريبات سياسياً عقلانياً محترفاً يفهم الأوضاع ويتعامل معها بواقعيةٍ ويرفض مزايداتٍ الجمهوريين الثائرين الآخرين من الدول العربية، ويسعى - بتفاؤلٍ - أن يقتنع معمر القذافي بمنطقه وواقعيته.
التسريبات في السياسة مثل الوثائق في التاريخ، بالغة الأهمية حين تنتشر لدى العامة فهي تساعد الباحثين والمحللين على إرشاد الناس إلى ما هو حقيقيٌّ وواقعيٌّ وعقلانيٌّ، وعند نشوء الدولة العربية الحديثة كانت الملكيات تسعى للاستقلال عن الدولة العثمانية ثم الاستعمار الغربي، ثم بُلي بعضها بالانقلابات العسكرية.
في العام 1949 قام حسني الزعيم بأول انقلابٍ عسكري، توالت بعده الانقلابات العسكرية في سوريا، ولكن الأثر الأكبر عربياً جاء من مصر، حيث قام انقلابٌ سياسي عسكري 1952 بقيادة الضباط الأحرار وجمال عبدالناصر وأسقطت الملكية في مصر، وشكل ذلك نقطة البدء لانقلاباتٍ عسكرية جمهوريةٍ مشابهةٍ، في العراق 1958 بقيادة عبدالكريم قاسم، وفي السودان 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود، وفي 1962 في اليمن انقلب الضباط الأحرار على الإمام أحمد، وفي 1965 قاد هواري بومدين انقلاباً عسكرياً على الرئيس أحمد بن بيلا في الجزائر، وفي ليبيا 1969 بقيادة الضابط معمر القذافي.
منذ نشوء هذه الانقلابات العسكرية، وصعود بعض العسكر فجأةً لسدة الحكم، كان واضحاً عليهم نقص الخبرة السياسية لإدارة الدول وكان الأوضح هو نقص أخلاق الحكّام أو أخلاق الملوك، وهو ما شكل لعقودٍ من الزمن فارقاً تاريخياً مهماً بين الملكيات والجمهوريات العربية. 
الخطاب الناصري الذي كان يحرك الملايين من العرب بشعاراته ومفرداته تكشف عن تراجعٍ كاملٍ عن كل خطابه، ومع كل المؤامرات التي كان يديرها لإسقاط الملكيات العربية، ومع كل الشتائم التي كان يكيلها في خطاباته لما كان يسميها بـ «الرجعية العربية»، إلا أنه عاد في النهاية ليتبع حكمة الملكيات ويقتنع بسياسات العقل والمنطق والواقع.
خطابات قاسم تجاه الكويت ولعنات الانقلابات العسكرية في العراق وشتائم عسكر سوريا وجرائمهم تجاه بعضهم وتجاه الشعب السوري التي ختمت بنظام الأسد، وفي السودان وليبيا واليمن، ضمن سلسلةٍ طويلة من الانقلابات المتتالية إما على الملكيات أو بين العسكر أنفسهم، إنما أوضحت بجلاء على خروج نخبةٍ قليلة الخبرة وقليلة الحكمة.
خطابات الأنظمة الجمهورية العسكرية وبالذات في بداياتها كانت خطاباتٍ صارمةً، ولكنها تتصف بالتهور والعنف، لا تختلف في هذا الأنظمة القومية عن الأنظمة الإسلاموية، في كامل دول الشرق الأوسط، لا في الدول العربية فحسب، وقد كان القذافي ورفاقه في انقلابهم على «السنوسي» يهتفون: إبليس ولا إدريس وعندما سمعهم الملك قال: اللهم آمين!
قبل عقدٍ ونيفٍ وقف بشار الأسد خطيباً في التلفاز والإذاعة ووسائل الإعلام ليتهم الدول العربية وقادتها بأنهم «أنصاف رجال»، ثم قدم كل فروض الولاء والطاعة لمحورٍ إقليميٍ معروفٍ ثم استجلب قوةً دوليةً لتحميه، ولئن كان مصير الملكيات العربية معروفاً، بحيث تنعم دولها وشعوبها بالاستقرار والأمن والرفاه، بحسب إمكانيات كل دولةٍ، فإن بعض الجمهوريات العربية تمزقت بين من استحوذت عليه محاور إقليمية بالكامل، ومن سقط فريسةً للتقسيم أو الفوضى والاقتتال الداخلي والتدخل الخارجي الواسع، وبين من استطاع الرجوع للعقلانية وقيمة الدولة وأولوية استقرارها وأمنها.
*كاتب سعودي