ارتجف الأسواق العالمية كلما تصاعدت المواجهة في الشرق الأوسط، ليس فقط لأن المنطقة تعيش توتراً سياسياً دائماً، بل لأنها تمثّل القلب النابض لمنظومة الطاقة العالمية وممراً رئيسياً للتجارة الدولية. ومع كل تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل ما نشهده عملية عسكرية محدودة تهدف إلى تعديل ميزان الردع، أم أننا أمام لحظة مفصلية قد تُعيد رسم ملامح الشرق الأوسط بالقوة؟
فالتاريخ الحديث للمنطقة يؤكد أن الضربات العسكرية لا تُقرأ بمعزل عن سياقها الاستراتيجي. إسرائيل، التي تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً وجودياً، عملت لسنوات طويلة على إضعاف البنية العسكرية الإيرانية ومنع طهران من الوصول إلى قدرة ردع نووية. أما الولايات المتحدة، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية أوسع تتعلق بالحفاظ على توازن القوى الإقليمي وضمان أمن الممرات البحرية التي يمر عبرها جزء كبير من تجارة الطاقة في العالم.
ويكفي أن نعلم أن ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بينما يُشكّل باب المندب والبحر الأحمر أحد أهم طُرق التجارة بين آسيا وأوروبا. وهذا يعني أن أي اضطراب أمني في هذه الممرات لا يؤثر على دول المنطقة فحسب، بل قد ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
لكن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد ردٍّ عسكري على تهديدات مباشرة. فواشنطن تبدو وكأنها تسعى إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. فالهدف لا يبدو حرباً شاملة لإسقاط النظام الإيراني، لأن التجارب الأميركية في العراق وأفغانستان جعلت صنّاع القرار في واشنطن أكثر حذراً من الانخراط في حروب مفتوحة طويلة الأمد، بل إن الاستراتيجية الأقرب للواقع تقوم على إدارة صراع محسوب يهدف إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، وإضعاف أدوات النفوذ الإقليمي التي تعتمد عليها طهران، ودفعها في نهاية المطاف إلى العودة إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف.
وفي هذا الإطار يمكن قراءة التحركات الأميركية والإسرائيلية على أنها محاولة لتحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: الأول تحجيم القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أصبحت أداة رئيسية في الحروب غير المتكافئة.
والثاني تقليص نفوذ الحرس الثوري الإيراني في الساحات الإقليمية الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. أما الهدف الثالث فيتعلق بإعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي بحيث تصبح أكثر تكاملاً في مواجهة التهديدات المشتركة، خصوصاً تلك المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
غير أن هذه الحسابات، مهما بدت مدروسة، تحمل مخاطر كبيرة. فإيران تدرك أنها لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة في حرب تقليدية مباشرة، ولذلك تعتمد منذ سنوات على استراتيجية الحرب غير المتكافئة. وهذا يعني أن الرد الإيراني قد لا يأتي عبر مواجهة عسكرية مباشرة، بل من خلال الضغط على المصالح الاقتصادية وتهديد الممرات البحرية أو تحريك شبكات الحلفاء في أكثر من ساحة إقليمية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، لأن أي اضطراب في أمن الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية تتجاوز حدود المنطقة.
ولعل تجربة حرب الناقلات في الخليج خلال ثمانينيات القرن الماضي تقدم مثالاً واضحاً على خطورة استهداف خطوط الطاقة والملاحة البحرية، حيث أدت الهجمات آنذاك إلى اضطراب واسع في حركة التجارة وارتفاع حاد في تكاليف التأمين البحري، قبل أن تتدخل القوى الدولية لحماية طرق الإمداد.
بالنسبة لدول الخليج، فإن المرحلة الحالية تتطلب قدراً عالياً من اليقظة الاستراتيجية. فهذه الدول ليست مجرد أطراف مراقبة للأحداث، بل تقع في قلب المعادلة الأمنية والاقتصادية للمنطقة.
ومن هنا تبرز ضرورة العمل على ثلاثة مسارات متوازية. أولها تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي بشكل جماعي، لأن طبيعة التهديدات الحديثة لم تَعُد تستهدف دولة بعينها، بل البنية الأمنية الإقليمية بأكملها. وثانيها حماية الممرات البحرية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، لضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
أما المسار الثالث، وهو الأهم على المدى الطويل، فيتمثّل في الحفاظ على قنوات الحوار السياسي وتجنُّب الانزلاق إلى استقطاب حاد قد يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح.
فالشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة دقيقة، قد تُحدّد شكل توازناته لسنوات طويلة. وإذا كانت القوة العسكرية قادرة على فرض معادلات جديدة على المدى القصير، فإن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر توازن سياسي يمنع الانزلاق إلى دوامة صراعات مفتوحة.
وفي عالم تتشابك فيه الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، فإن الحِكمة الاستراتيجية تبقى السلاح الأكثر أهمية في حماية استقرار المنطقة ومستقبلها.
*لواء ركن طيار متقاعد


