منذ الحرب العالمية الثانية، ربما لم يشكل الهوية الألمانية شيء بقدر الإحساس العميق بالتذكر.

وكما هو الحال مع أي صناعة أو مبادرة، سمحت ثقافة التذكر هذه لألمانيا بإعادة بناء الثقة، والانضمام مجدداً إلى الأسرة الدولية، وتحقيق الازدهار. لكن مع إحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، تُظهر استطلاعات الرأي رغبةً متزايدة لدى الألمان في طي صفحة الحقبة النازية، والتخلص من عبء الماضي.

ويسأل الكثيرون أنفسهم: ألا يكفي هذا؟ الطريق الذي ستسلكه ألمانيا ستكون له عواقب عميقة، من كيفية قيادتها لأوروبا التي تتجه نحو العسكرة بسرعة. تقول «جينيفر يودر»، خبيرة في شؤون ألمانيا بكلية كولبي بولاية مين الأميركية: «كانت ثقافة التذكر عنصراً أساسياً في قصة نجاح ألمانيا، مع درجة من التواضع والصبر والاستعداد للحوار».

ومن جانبه، يتمنى «أولاف إردمان» أن تكون ألمانيا أكثر إيجابية تجاه نفسها. فهو يزور برلين مع زوجته من مدينة بيليفيلد في غرب البلاد، ويتوقفان عند نُصب قتلى اليهود في أوروبا. وقد أثار هذا النصب الجدل في أوقات مختلفة. ففي عام 2017، أشار أحد قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) اليميني المتطرف إلى النصب كمثال على ثقافة التذكر الجامحة. ووصف عضو في حزب «البديل من أجل ألمانيا» النصباً التذكاري بأنه «مجرد بقعة سيئة في أكثر من ألف عام من التاريخ الألماني الناجح».

منذ عام 2018، تتتبع مؤسسة «التذكر والمسؤولية والمستقبل» مواقفَ الألمان من خلال دراسة «تقليل الأخطاء، تعظيم النتائج» (MEMO). وحتى هذا العام، عارض أكثر من نصف المشاركين فكرةَ طي صفحة الحقبة النازية. وفي أحدث استطلاع، صدر الأسبوع الماضي، وافق 37% فقط على ذلك. كما أظهر استطلاع أجري في مارس الماضي أن 55% من الألمان وافقوا على أن «التذكر المستمر للاشتراكية القومية يمنع الألمان من تطوير وعي وطني سليم، كما فعلت شعوب الدول الأخرى».

لكن المؤرخ الألماني «مارتن سابرو» لا يرى في ذلك سبباً للذعر. ويقول إن هناك على الدوام نوعاً من المقاومة تجاه ثقافة التذكر. ويقول سابرو: «لا يوجد طلب للنسيان، بل للقول بأن هذا حدث، لكنه لا يجب أن يكون عبئاً على المستقبل». ويقول ليون فالتر، وهو عالم نفس اجتماعي في معهد البحوث متعددة التخصصات حول النزاع والعنف: «قوة ثقافة التذكر لا تكمن في خلاص الهوية الجماعية الألمانية، بل في فهم الفظائع التي وقعت واستخلاص الدروس منها للمجتمع الألماني المعاصر».

وقد تتطلب بعض تلك الدروس إعادة النظر في مبادئ ثقافة التذكر. الدراسات الاستقصائية تظهر أن الذين يشاركون في التذكر هم أقل عرضةً لاعتناق مواقف متحيزة كما يقول فالتر. يقول سابرو: «حين تكون هناك، تشعر بالخزي كألماني. تشعر بأكثر من مجرد مسؤولية، بل بالتعاطف». لقد شكّلت هذه الروح قوة القيادة الألمانية الحديثة. وتقول الدكتورة يودر من كلية كولبي: «لقد تمتعت ألمانيا بسلطة أخلاقية. وبوصفها جزءاً من أوروبا، إذا تخلّت ألمانيا عن ذلك، فسيفتقد شركاؤها هذا الجانب من هويتها». ومع ذلك، فثمة ما يدل على أن العديد من الألمان ما زالوا ملتزمين بهذا المبدأ. في فبراير من كل عام، تحيي مدينة دريسدن ذكرى القصف الجوي للحلفاء في عام 1945، والذي أدى إلى محو المدينة تقريباً. 

مارك سابينفيلد*

*كاتب أميركي 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»